[الفَرْقُ بَيْنَ القِدَمِ وَالحَدَثِ]
وَأَمَّا قَوْلُنَا: «صِفَةُ الظُّهُورِ غَيْرُ صِفَةِ الْبُطُونِ»؛ فَلِأَنَّهُ إِذَا ظَهَرَ لِخَلْقِهِ -لِلْبَشَرِ وَلِلْمَلَائِكَةِ- لَا يَرَوْنَهُ إِلَّا بِصُورَةٍ وَاسْمٍ وَصِفَةٍ مُشَاكِلَةٍ وَمُمَاثِلَةٍ، وَإِذَا بَطَنَ لَا صِفَةَ تَقَعُ عَلَيْهِ.
فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِنَا: «قِدَمُهُ غَيْرُ صِفَةِ حَدَثِهِ»؛ يَعْنِي قَبْلَ خَلْقِهِ الْأَرْضِيَّةَ وَالسَّمَاوِيَّةَ، فَلَمَّا أَحْدَثَ الْمُحْدَثِينَ، وَخَلَقَ أَهْلَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ؛ ظَهَرَ لَهُمْ كَصُورَةِ الْمُحْدَثِينَ، فَسُمِّيَ بِالصُّورَةِ الْمُحْدَثَةِ؛ لِأَنَّهُ شُوهِدَ بِهَا، وَشَاكَلَهُمْ بِالصُّورَةِ الْمُحْدَثَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ ظَهَرَ لَهُمْ بِالنَّوْعِ الْقَدِيمِ وَالْغَيْبِ الْمَنِيعِ وَكَمَالِ الرُّبُوبِيَّةِ لَمَا اسْتَطَاعُوا النَّظَرَ إِلَيْهِ، وَلَا ثَبَتَتْ لَهُ الْأَنْوَارُ السَّمَاوِيَّةُ وَلَا أَهْلُ الْأَرْضِ الْبَشَرِيَّةُ.
هَكَذَا قَالَ فِي كِتَابِ «الْمَرَاتِبِ وَالدَّرَجِ»، قَالَ: «فَهَلْ لِلْمُؤْمِنِينَ مَنْزِلَةٌ أَعْظَمُ مِنْ مَنْزِلَةِ الشَّمْسِ؟»، فَقَالَ: «أَمَّا مَا يَلِي أَهْلَ الْأَرْضِ فَلَا، وَأَمَّا مَا يَلِي الْعُلُوَّ فَنَعَمْ؛ أَعْلَى مِنْهَا مُكَوِّنُهَا؛ فَإِنَّهُ لَوْ ظَهَرَ لَهَا ضِيَاءُ نُورِ اللَّاهُوتِ بِكَمَالِهِ لَأَحْرَقَهَا، وَذَابَتْ كَمَا يَذُوبُ الرَّصَاصُ، وَكَذَلِكَ الشَّمْسُ لَوْ ظَهَرَتْ لِمَنْ دُونَهَا مِمَّنْ كَوَّنَتْهُ لَكَانَتْ فِي الْمَنْزِلَةِ وَالْحَالَةِ كَذَلِكَ».
فَأَجَابَ: «إِنَّ الشَّمْسَ لَيْسَتْ بِمَدْرُوكَةٍ، وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْمَرَاتِبِ لَيْسُوا بِمَدْرُوكِينَ».
وَقَالَ: «لَوْ ظَهَرَ ضِيَاءُ نُورٍ وَاحِدٍ مِمَّنْ يَحِلُّ فِي الْمَلَكُوتِ لَأَغْشَى أَبْصَارَ أَهْلِ الْأَرْضِ أَجْمَعِينَ».




