قَالَ العَالِمُ عَزَّ عِزُّهُ: كَذَلِكَ فِي التَّوْحِيدِ، إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ هَذِهِ الصُّورَةَ وَجَعَلَ فِيهَا الرُّوحَ فَأَبْصَرَ مِنْ حَيْثُ تُبْصِرُ الصُّورَةُ، [فَكُلُّهُ بَصَرٌ، وَكُلُّهُ سَمْعٌ](1)، وَكُلُّهُ عَالِمٌ، وَكُلُّهُ قَادِرٌ، وَكُلُّهُ قَاهِرٌ وَكُلُّهُ أَوَّلٌ، وَكُلُّهُ آخِرٌ، وَكُلُّهُ بَاطِنٌ، وَكُلُّهُ ظَاهِرٌ، وَهَذِهِ الآلَاتُ كَآلَاتِ الإِنْسَانِ، وَخَلَقَ المَسْمُوعَاتِ وَالمُبْصَرَاتِ لَا لِنَفْسِهِ(2)، فَأَظْهَرَ لِخَلْقِهِ أَنَّهُ يَسْمَعُ المَسْمُوعَ وَيُبْصِرُ المَبْصُورَ وَيُكَلِّمُ المُتَكَلِّمَ، لِأَنَّ الخَلْقَ لَا يَعْرِفُونَ الكَلَامَ فِي الآلَاتِ(3) إِلَّا بِالنُّطْقِ وَالسَّمْعِ وَالبَصَرِ كَذَلِكَ فَمِنَ الرُّوحِ تُبْصِرُ كَمَا خَلَقَهَا وَتَسْمَعُ كَمَا خَلَقَهَا مِنْ حَيْثُ مَا خَلَقَهَا، فَهُوَ بَصَرٌ كُلُّهُ، وَسَمْعٌ كُلُّهُ وَنُطْقٌ كُلُّهُ، وَعَالِمٌ كُلُّهُ، وَقَادِرٌ كُلُّهُ.
قَالَ السَّائِلُ: أَيَتَكَلَّمُ بِنُطْقٍ؟
قَالَ العَالِمُ عَزَّ عِزُّهُ: [إِنَّمَا يَنْطِقُ بِالهَيْئَاتِ](4) المُتَّصِلَةِ إِذَا كَانَ بِالصُّورَةِ المُحْدَثَةِ وَهُوَ بِقِدَمِهِ خِلَافُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ جَوْهَرٌ وَاحِدٌ غَيْرُ مُتَجَزِّئٍ، وَإِنَّمَا يَنْطِقُ مِنْ حَيْثُ النُّطْقِ، وَيُبْصِرُ مِنْ حَيْثُ البَصَرِ، وَلَا يُقَالُ يُبْصِرُ بِكُلِّهِ؛ لِأَنَّكَ إِذَا قُلْتَ: يُبْصِرُ بِكُلِّهِ جَعَلْتَ كُلَّهُ أَدَاةً(5) وَلَكِنْ هُوَ السَّمْعُ كُلُّهُ مِنَ الإِرَادَةِ، وَكَذَلِكَ يَتَكَلَّمُ مِنَ الإِرَادَةِ، وَكَذَلِكَ النُّورُ البَسِيطُ.
قَالَ السَّائِلُ: هَذَا الإِنْسَانُ وَصِفَتُهُ، وَكَذَلِكَ الرَّبُّ وَصِفَتُهُ، فَمَا الفَرْقُ بَيْنَهُمَا بِالصِّفَةِ وَالجَوْهَرِ؟




