وَقَالَ العَالِمُ عَزَّ عِزُّهُ: [أَرَأَيْتَ خَلْقًا](1) خَلَقَهُ اللَّهُ فَجَعَلَ لَهُ العَيْنَ لِيَنْظُرَ بِهَا، وَالعَقْلَ لِيَفْهَمَ بِهِ، وَالأُذُنَ لِيَسْمَعَ بِهَا، ثُمَّ نَظَرَ إِلَىٰ آيَاتِ اللَّهِ وَخَلْقِهِ وَقُدْرَتِهِ وَسُلْطَانِهِ وَتَوَاتُرِ الخَلْقِ وَالمَوْتِ النَّازِلِ بِسَاحَتِهِمْ(2) وَالأَمْرِ الفَادِحِ بِمَا كَانَ عِنَادُهُمْ(3) وَقَدْ خَلَقَ لَهُمْ مَا يَفْهَمُونَ بِهِ وَيَسْتَدِلُّونَ أَنَّ لَهُمْ خَالِقًا صَنَعَهُمْ وَكَوَّنَهُمْ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُونُوا وَفَهَّمَهُمْ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَعْقِلُوا، وَاللَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِمْ، وَإِنَّ الإِنْسَانَ يَحْتَاجُ أَنْ يَكُونَ لَهُ خَالِقٌ، وَإِنَّهُ لَا بُدَّ لِلْفِعْلِ مِنْ فَاعِلٍ لَا يُشْبِهُهُ فَلَمَّا نَظَرَ المَخْلُوقُ إِلَىٰ الخَالِقِ المُدَبِّرِ، عَلِمَ أَنَّ الَّذِي لَا يَقْدِرُ أَنْ يَفْعَلَ جِسْمًا حَيًّا لَيْسَ هُوَ مِنْ جِنْسِ الَّذِي يَخْلُقُ الجِسْمَ الحَيَّ، وَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ خَلْقِهِ، فَأَثْبَتَ المَخْلُوقُ الخَالِقَ وَالمَرْبُوبُ الرَّبَّ، وَلَمَّا رَأَىٰ المَخْلُوقُ أَنَّ المَيْتَ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا، عَلِمَ أَنَّ رَبَّهُ [حَيٌّ لَيْسَ بِمَيْتٍ](4) وَأَنَّهُ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ، ثُمَّ نَظَرَ المَخْلُوقُ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا إِلَّا بِيَدِهِ أَوْ بِأَمْرِهِ عَلِمَ أَنَّ الخَالِقَ يَفْعَلُ الشَّيْءَ بِقُدْرَتِهِ، فَإِنْ شَاءَ فَعَلَهُ بِيَدِهِ مِنْ بَعْدِ قُدْرَتِهِ، وَلَا بُدَّ لِلْحَيِّ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا أَوْ جَاهِلًا، فَإِنْ كَانَ جَاهِلًا فَهُوَ فِي حَدِّ الأَمْوَاتِ، وَإِنْ كَانَ عَالِمًا فَهُوَ فِي حَدِّ الأَحْيَاءِ، [وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ قَادِرًا أَوْ عَاجِزًا، فَإِنْ كَانَ عَاجِزًا فَهُوَ فِي حَدِّ الأَمْوَاتِ، وَإِنْ كَانَ قَادِرًا فَهُوَ فِي حَدِّ الأَحْيَاءِ](5)، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ آمِرًا أَوْ سَاكِتًا، وَالسُّكُوتُ لِلْأَحْيَاءِ وَالأَمْوَاتِ فَإِنْ كَانَ سَاكِتًا عَاجِزًا فَهُوَ مَيْتٌ، وَإِنْ كَانَ سَاكِتًا قَادِرًا فَهُوَ حَيٌّ، فَإِنَّمَا السُّكُوتُ عَجْزٌ وَرِضًىٰ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ فِي الدُّنْيَا مَا لَا يُرْضِي اللَّهَ وَفِيهَا مَا يُرْضِي اللَّهَ، فَوَجَبَ الكَلَامُ الأَوَّلُ السُّكُوتَ لِمَوْضِعِ القُدْرَةِ وَلِمَوْضِعِ الأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالحَيَاةِ وَالمَوْتِ، وَقَدْ ثَبَتَ الأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَلَا بُدَّ لِلْآمِرِ وَالنَّاهِي أَنْ يُفْهِمَ خَلْقَهُ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ، وَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَتَهَيَّأَ بِهَيْئَةٍ تُشَاكِلُ هَيْئَاتِهِمْ وَيُخَاطِبُهُمْ بِلُغَاتِهِمْ حَتَّىٰ يَفْهَمُوا عَنْهُ.
1في نسخة: أرأيت عن خلق.
2لا توجد في نسخة.
3في نسخة: عذرهم. في نسخة: عوزهم.
4في نسخة: يحيي ويميت وهو حي لا يموت.
5لا يوجد في نسخة.




