قَالَ السَّائِلُ: فَرَّجْتَ عَنِّي هَمِّي، وَأَذْهَبْتَ عَنِّي غَمِّي، وَتَصَوَّرَ الحَقُّ فِي عَقْلِي، وَأَذْهَبْتَ الشُّبْهَةَ عَنِّي، فَعُدْ لِي إِلَىٰ مَعْنَىٰ الرِّزْقِ وَالعِزِّ وَالمُلُوكِيَّةِ:
هَلْ فِي ذَلِكَ حِيلَةٌ أَمْ ذَلِكَ يُدْرَكُ بِالعَقْلِ؟ فَلَوْ كَانَ فِيهِ حِيلَةٌ لَاحْتَالَ المُلُوكُ أَنْ يَكُونُوا مُلُوكًا أَبَدًا، وَالأَغْنِيَاءُ أَنْ يَكُونُوا أَغْنِيَاءَ أَبَدًا، وَالأَعِزَّاءُ أَنْ يَكُونُوا أَعِزَّاءَ أَبَدًا، وَإِنْ كَانَ الأَمْرُ مَخْلُوقًا مَفْطُورًا(1) فَهِيَ حِكْمَةٌ مَنْقُوضَةٌ، وَإِنْ كَانَ بِاكْتِسَابٍ فَكَيْفَ لَمْ يَجْعَلْ لِلْمُؤْمِنِ أَفْضَلِيَّةً عَلَىٰ الكَافِرِ حَتَّىٰ يَكْتَسِبَ أَكْثَرَ مِمَّا اكْتَسَبَ الكَافِرُ؟
قَالَ العَالِمُ عَزَّ عِزُّهُ: إِنَّ أَصْلَ مَا أَخْرَجَ اللَّهُ آدَمَ مِنَ الجَنَّةِ، وَقَدْ كَانَ فِيهَا بِلَا تَعَبٍ(2) وَلَا نَصَبٍ، وَلَا يُمْنَعُ عَنْ لذَّةٍ وَلَا عَنْ شَهْوَةٍ يُرِيدُهَا وَلَا عَلَيْهِ مُحَاسَبَةٌ، يَفْعَلُ فِيهَا مَا يَشَاءُ فَلَمَّا ظَلَمَ نَفْسَهُ وَتَعَدَّىٰ قَوْلَ رَبِّهِ وَفَعَلَ مَا نَهَاهُ عَنْهُ أُخْرِجَ مِنْهَا إِلَىٰ دَارِ التَّعَب وَالبَلَاءِ وَالشَّقَاءِ وَالمُحَاسَبَةِ عَلَىٰ الصَّغِيرَةِ وَالكَبِيرَةِ، فَكَانَ أَصْلُ الخُرُوجِ مِنَ النِّعْمَةِ إِلَىٰ البَلِيَّةِ، وَمِنَ العِزِّ إِلَىٰ الذُّلِّ، وَمِنَ الكَرَامَةِ إِلَىٰ الشَّقَاءِ بِالمَعْصِيَةِ الَّتِي عَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ بِهَا، [وَكَذَلِكَ المُؤْمِنُ إِنَّمَا يَقَعُ بِهِ الِامْتِحَانُ وَالعُقُوبَاتُ وَالبَلَاءُ وَالشَّقَاءُ وَالتَّعَبُ وَالنَّصَبُ مِنْ أَفْعَالٍ سَبَقَتْ مِنْهُ](3)، [فَاعْتَبِرْ بِذَلِكَ فَكُلُّ ذِي شَقَاءٍ أَوْ ذُلٍّ أَوْ سَقَمٍ إِنَّمَا كَانَ أَصْلُهُ تِلْكَ المَعْصِيَةَ](4).




