مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

الْأُسُوسُ - عَلِيُّ بْنُ مُوسَى الرِّضَا

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 60 من 177

قَالَ العَالِمُ عَزَّ عِزُّهُ: إنَّ اللَّهَ أَظْهَرَ مِنْ نَفْسِهِ القُدْرَةَ فَبِهَا عَرَفُوا: نَعَمْ وَلَا وَأَطَعْتُ وَعَصَيْتُ، فَتَعَلَّمَتِ المَلَائِكَةُ كُلُّهَا مِنْ أَوَّلِهَا إِلَىٰ آخِرِهَا، وَأَرْوَاحُ الآدَمِيِّينَ عَرَفَتِ القُدْرَةَ وَالتَّرْدَادَ وَالطَّاعَةَ وَالمَعْصِيَةَ، لِيَنْفِيَ عَنْ نَفْسِهِ أَنْ يُوصَفَ بِحُدُودِ المَجَانِينِ وَالمُوَسْوَسِينَ، أَوْ أَنْ يُرَاوِدَ نَفْسَهُ وَيُحَدِّثَهَا حَتَّىٰ ظَهَرَ بِقُدْرَتِهِ كَهَيْئَةِ المَوْلُودِ، فَكَانَ هُوَ الَّذِي يُرَاوِدُ عَلَىٰ أَمْرِهِ فَعَلِمَتِ المَلَائِكَةُ أَنَّهُ اتَّخَذَ هَذَا الجِسْمَ عَلَىٰ هَيْئَةِ الصَّبِيِّ الصَّغِيرِ، فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ صَارَ الصَّبِيُّ الصَّغِيرُ يُعَظِّمُ(1) الكَبِيرَ وَيُعَرِّفُ الحَقَّ لِمَنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ، وَيُشَاوِرُ مَنْ هُوَ أَقْدَمُ مِنْهُ، فَعَرَفَتِ المَلَائِكَةُ الأَمْرَ وَالنَّهْيَ وَالطَّاعَةَ وَالمَعْصِيَةَ وَأَرْوَاحَ الآدَمِيِّينَ، وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا عَرَفَتْ، وَلَوْلَا أَنَّ اللَّهَ أَظْهَرَ مِنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ لِخَلْقِهِ لَمْ يَعْرِفِ الخَلْقُ كَيْفَ يُطِيعُهُ، وَلَا كَيْفَ يَعْصِيهِ، وَلَا كَيْفَ يَأْمُرُ وَيَنْهَىٰ، وَلَا كَيْفَ يُهَلَّلُ وَيُسَبَّحُ وَيُكَبَّرُ.

قَالَ السَّائِلُ: أَيُّهَا العَالِمُ، اِضْرِبْ لِي فِي ذَلِكَ مَثَلًا؟

قَالَ العَالِمُ عَزَّ عِزُّهُ: المَثَلُ فِي ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ﴿أَخْرَجَكُم مِّنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا،،﴾(2) فَغُذِّيتُمْ بِالغِذَاءِ حَتَّىٰ تَعَلَّمْتُمْ مَا سَمِعْتُمْ وَعَرَفْتُمْ مَا رَأَيْتُمْ، وَلِذَلِكَ عَرَفْتُمُ الذَّهَابَ وَالمَجِيءَ وَالمَنْفَعَةَ وَالمَضَرَّةَ، كَمَا عَلَّمَ الكَبِيرُ الصَّغِيرَ، فَكُلُّ مُغَذًّىٰ يُغَذَّىٰ هَذِهِ دَرَجَتُهُ وَأَمْرُهُ وَتَعْلِيمُهُ.

قَالَ السَّائِلُ: هَذَا تَعْلِيمُ النَّفْسِ فِي الأَبْدَانِ عَلَىٰ مَا رَأَتْ مِنَ الغِذَاءِ، وَتَعْلِيمُهُ غِذَاؤُهُ فَمَا تَغْذِيَةُ الأَرْوَاحِ بِلَا أَبْدَانٍ وَتَعْلِيمُهَا عِنْدَ ظُهُورِ الرَّبِّ بِالقُدْرَةِ حَتَّىٰ عَلَّمَهَا وَهِيَ لَا تَعْلَمُ شَيْئًا؟

قَالَ العَالِمُ عَزَّ عِزُّهُ: فَذَلِكَ فَرْقٌ مَا بَيْنَ الرُّوحِ وَالبَدَنِ فِي النَّشْأَةِ الأُولَىٰ.

الهوامش

1في نسخة: يعلمه.
2سورة النحل – الاية 78
الصفحة 60 من 177