مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

الْأُسُوسُ - عَلِيُّ بْنُ مُوسَى الرِّضَا

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 55 من 177

قَالَ العَالِمُ عَزَّ عِزُّهُ: إنَّهُ لَوْ كَانَ خَفِيًّا عَنْ بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ مَا كَانَ يُخْبِرُ عَنْ مَجِيئِهِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الغَمَامِ وَالمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَىٰ اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾(1)، [فَظَهَرَ لِلْخَاصِّ وَالعَامِّ، حِينَ جَاءَ بِالتَّصْدِيقِ كَانَ يُخْبِرُ عَنْ مَجِيئِهِ وَيَظْهَرُ مَعَ ذَلِكَ لِلْقُلُوبِ الطَّيِّبَةِ، فَلَمَّا جَاءَ بِالتَّصْدِيقِ لِلأَنْبِيَاءِ ظَهَرَ لِلْخَلْقِ لِلْخَاصِّ وَالعَامِّ لِيَتَبَيَّنَ التَّصْدِيقُ وَالتَّكْذِيبُ، وَلَا يَكْمُلُ التَّكْذِيبُ حَتَّىٰ يَظْهَرَ لِلْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ وَالأُنْثَىٰ وَالذَّكَرِ وَالنَّاشِي وَالمَوْلُودِ، وَيُظْهِرَ القُدْرَةَ وَالعِلْمَ، وَيَكُونَ المُخْبِرُ دَالًّا عَلَيْهِ، فَإِذَا وَقَعَ الشَّكُّ فِي ذَلِكَ تَبَيَّنَ التَّصْدِيقُ مِنَ التَّكْذِيبِ، لِأَنَّهُ أَظْهَرَ قُدْرَتَهُ وَعِلْمَهُ وَعَرَّفَهُمْ بِرُبُوبِيَّتِهِ](2) ثُمَّ أَخْبَرَ كَيْفَ يُعْبَدُ وَكَيْفَ يُطَاعُ وَكَيْفَ يُعْصَىٰ بَعْدَ شَهَادَةِ الأَنْبِيَاءِ لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ خَاصًّا وَعَامًّا، اِسْتِدْرَاجًا مِنْهُ بِذَلِكَ لِيَجْزِيَ المُجْتَرِيَ(3) عَلَيْهِ مِمَّنْ أَسْدَىٰ إِلَيْهِ إِحْسَانًا وَمَنَّ عَلَيْهِ تَفَضُّلًا وَغُفْرَانًا، وَلِيُمْلِيَ بِالكُفْرِ لِمَنْ طَغَىٰ وَاعْتَدَىٰ عَلَىٰ آيَاتِهِ، وَالقُدْرَةُ أَعْظَمُ حِينَ أَظْهَرَ آيَاتِهِ، فَلَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ عَلَىٰ مِثْلِهَا، فَعَظُمَتِ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ حِينَمَا رَأَوْا قُدْرَتَهُ، فَمَنْ أَلْطَفُ صُنْعًا وَأَبْيَنُ أَمْرًا وَأَثْبَتُ قَوْلًا وَأَكْمَلُ بَيَانًا مِنْ رَبٍّ أَظْهَرَ قُدْرَتَهُ فِي عَبْدِهِ حِينَ أَبَانَ أَمْرَهُ وَأَظْهَرَ آيَاتِهِ وَعُرِفَتْ رُبُوبِيَّتُهُ، [فَمِنِ اخْتِيَارِهِ وَأَمْرِهِ وَإِرَادَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ أَرَادَ أَنْ يُطْلَبَ بِالنِّسْبَةِ وَالْقُدْرَةِ لِئَلَّا تُنْكَرَوعَجَائِبُهُ](4).

قَالَ السَّائِلُ: أَظَهَرَ بَعْدَ أَنْ خَفِيَ، وَخَفِيَ بَعْدَ أَنْ ظَهَرَ؟ وَلِمَ فَعَلَ ذَلِكَ؟

قَالَ العَالِمُ عَزَّ عِزُّهُ: لِأَنَّ الشَّهَادَتَيْنِ أَفْضَلُ مِنَ الشَّهَادَةِ الوَاحِدَةِ، وَالجَهْلَ قَدْ يَكُونُ مَعَهُ الشَّكُّ، فَلَمَّا أَظْهَرَ قُدْرَتَهُ اطْمَأَنَّتِ القُلُوبُ [السَّاكِنَةُ إلَيْهِ](5)، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ كَمَا كَانَ يَكُونُ وَكَمَا يَكُونُ كَانَ، وَأَنَّهُ يُظْهِرُ قُدْرَتَهُ وَعِلْمَهُ كَيْفَ يَشَاءُ، وَأَنَّهُ يَظْهَرُ بَعْدَ الأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ يُنَبِّئُونَ عَنْهُ بِالأَوْصِيَاءِ، كَقَوْلِ أَشْعِيَا النَّبِي عَزَّ عِزُّهُ حَيْثُ يَقُولُ: البَتُولُ تَحْمِلُ وَتَلِدُ ابْنًا يُدْعَىٰ اسْمُهُ عِمَّانُوِيل، الَّذِي تَرْجَمَتُهُ: الرَّبُّ مَعَنَا(6)، أَيْ جَاءَتْ قُدْرَةُ الرَّبِّ.

الهوامش

1سورة البقرة – الاية 210
2في نسخة أخرىٰ: فظهر للخاص والعام حين جاءهم لتصديق الانبياء، فلما جاء لتصديق الانبياء كيلا تعلم أنها قد كذبت حتىٰ ظهر للصغير والكبير والأنثىٰ والذكر والناشىٰء والمولود، لأنه كان ما لا يرىٰ إذا كان الخبر دالا عليه وهو ظهوره بالعلم والقدرة لوقوع الشك فيه من حيث لم يعاين، فلما اظهر علمه وقدرته تبين امره وعرف بربوبيته.
3في نسخة: المتجرء.
4في نسخة أخرىٰ: ومجده ومشيئته ونسبته وإنما أراد بالنسبة ان يُطلب في نسبته بالقدرة التي لا تستنكر عجائبه.
5في نسخة: الشاكة.
6هوذا العذراء تحبل وتلد ابنا، ويدعون اسمه عمانوئيل". الذي تفسيره: الله معنا (انجيل متىٰ 1/23)
الصفحة 55 من 177