قَالَ العَالِمُ عَزَّ عِزُّهُ: إنَّهُ لَوْ كَانَ خَفِيًّا عَنْ بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ مَا كَانَ يُخْبِرُ عَنْ مَجِيئِهِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الغَمَامِ وَالمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَىٰ اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾(1)، [فَظَهَرَ لِلْخَاصِّ وَالعَامِّ، حِينَ جَاءَ بِالتَّصْدِيقِ كَانَ يُخْبِرُ عَنْ مَجِيئِهِ وَيَظْهَرُ مَعَ ذَلِكَ لِلْقُلُوبِ الطَّيِّبَةِ، فَلَمَّا جَاءَ بِالتَّصْدِيقِ لِلأَنْبِيَاءِ ظَهَرَ لِلْخَلْقِ لِلْخَاصِّ وَالعَامِّ لِيَتَبَيَّنَ التَّصْدِيقُ وَالتَّكْذِيبُ، وَلَا يَكْمُلُ التَّكْذِيبُ حَتَّىٰ يَظْهَرَ لِلْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ وَالأُنْثَىٰ وَالذَّكَرِ وَالنَّاشِي وَالمَوْلُودِ، وَيُظْهِرَ القُدْرَةَ وَالعِلْمَ، وَيَكُونَ المُخْبِرُ دَالًّا عَلَيْهِ، فَإِذَا وَقَعَ الشَّكُّ فِي ذَلِكَ تَبَيَّنَ التَّصْدِيقُ مِنَ التَّكْذِيبِ، لِأَنَّهُ أَظْهَرَ قُدْرَتَهُ وَعِلْمَهُ وَعَرَّفَهُمْ بِرُبُوبِيَّتِهِ](2) ثُمَّ أَخْبَرَ كَيْفَ يُعْبَدُ وَكَيْفَ يُطَاعُ وَكَيْفَ يُعْصَىٰ بَعْدَ شَهَادَةِ الأَنْبِيَاءِ لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ خَاصًّا وَعَامًّا، اِسْتِدْرَاجًا مِنْهُ بِذَلِكَ لِيَجْزِيَ المُجْتَرِيَ(3) عَلَيْهِ مِمَّنْ أَسْدَىٰ إِلَيْهِ إِحْسَانًا وَمَنَّ عَلَيْهِ تَفَضُّلًا وَغُفْرَانًا، وَلِيُمْلِيَ بِالكُفْرِ لِمَنْ طَغَىٰ وَاعْتَدَىٰ عَلَىٰ آيَاتِهِ، وَالقُدْرَةُ أَعْظَمُ حِينَ أَظْهَرَ آيَاتِهِ، فَلَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ عَلَىٰ مِثْلِهَا، فَعَظُمَتِ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ حِينَمَا رَأَوْا قُدْرَتَهُ، فَمَنْ أَلْطَفُ صُنْعًا وَأَبْيَنُ أَمْرًا وَأَثْبَتُ قَوْلًا وَأَكْمَلُ بَيَانًا مِنْ رَبٍّ أَظْهَرَ قُدْرَتَهُ فِي عَبْدِهِ حِينَ أَبَانَ أَمْرَهُ وَأَظْهَرَ آيَاتِهِ وَعُرِفَتْ رُبُوبِيَّتُهُ، [فَمِنِ اخْتِيَارِهِ وَأَمْرِهِ وَإِرَادَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ أَرَادَ أَنْ يُطْلَبَ بِالنِّسْبَةِ وَالْقُدْرَةِ لِئَلَّا تُنْكَرَوعَجَائِبُهُ](4).
قَالَ السَّائِلُ: أَظَهَرَ بَعْدَ أَنْ خَفِيَ، وَخَفِيَ بَعْدَ أَنْ ظَهَرَ؟ وَلِمَ فَعَلَ ذَلِكَ؟
قَالَ العَالِمُ عَزَّ عِزُّهُ: لِأَنَّ الشَّهَادَتَيْنِ أَفْضَلُ مِنَ الشَّهَادَةِ الوَاحِدَةِ، وَالجَهْلَ قَدْ يَكُونُ مَعَهُ الشَّكُّ، فَلَمَّا أَظْهَرَ قُدْرَتَهُ اطْمَأَنَّتِ القُلُوبُ [السَّاكِنَةُ إلَيْهِ](5)، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ كَمَا كَانَ يَكُونُ وَكَمَا يَكُونُ كَانَ، وَأَنَّهُ يُظْهِرُ قُدْرَتَهُ وَعِلْمَهُ كَيْفَ يَشَاءُ، وَأَنَّهُ يَظْهَرُ بَعْدَ الأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ يُنَبِّئُونَ عَنْهُ بِالأَوْصِيَاءِ، كَقَوْلِ أَشْعِيَا النَّبِي عَزَّ عِزُّهُ حَيْثُ يَقُولُ: البَتُولُ تَحْمِلُ وَتَلِدُ ابْنًا يُدْعَىٰ اسْمُهُ عِمَّانُوِيل، الَّذِي تَرْجَمَتُهُ: الرَّبُّ مَعَنَا(6)، أَيْ جَاءَتْ قُدْرَةُ الرَّبِّ.




