قَالَ السَّائِلُ: إِذًا إِنَّ المَلَكَ الَّذِي هُوَ الحِجَابُ، إِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُصَوِّرَهُ فِي غَيْرِ صُورَتِهِ أَيْ بِغَيْرِ صُورَةِ جِبْرَائِيلَ فَيَجْعَلَ لَهُ مِنَ الِاسْتِطَاعَةِ أَنْ يَفْعَلَ فِعْلَ الرَّبِّ، وَأَنْ يَنْتَقِلَ عَنْ هَيْئَتِهِ وَيَعُودَ إلَيْهَا؟
قَالَ العَالِمُ عَزَّ عِزُّهُ: هَذِهِ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ الرَّبِّ، وَلَيْسَتْ مِنْ صِفَاتِ العَبْدِ، يُجْرِيهَا عَلَىٰ يَدِهِ تَشْرِيفًا لِذَلِكَ المَلَكِ، وَإِذَا حَلَّ الرَّبُّ فِيهِ وَأَرَادَ أَنْ يُظْهِرَ آيَةً لِذَلِكَ النَّبِيِّ أَوْ لِذَلِكَ الرَّسُولِ، أَرْسَلَهُ اللَّهُ فَيُغَيِّرُ صُورَتَهُ إِلَىٰ صُورَةٍ أُخْرَىٰ، ثُمَّ يَرُدُّ صُورَتَهُ إلَىٰ هَيْئَتِهِ إذَا شَاءَ حَتَّىٰ يَعْرِفَ أَنَّ ذَلِكَ المَلَكَ هُوَ بَيْتُ اللَّهِ الَّذِي أَسْكَنَ اللَّهُ فِيهِ قُدْرَتَهُ، فَنَقَلَهُ مِنْ هَيْئَةٍ إلَىٰ هَيْئَةٍ أُخْرَىٰ، وَكَذَلِكَ الرَّسُولُ يُجْرِي فِعْلَهُ هَذَا المَجْرَىٰ إِذَا أُرْسِلَ إلَىٰ قَوْمٍ وَطَلَبُوا مِنْهُ فِعْلَ قُدْرَةٍ فَيَطْلبُ مِنَ اللَّهِ [تِلْكَ القُدْرَةَ](1)، فَيَأْمُرُهُ اللَّهُ بِفِعْلِ تِلْكَ القُدْرَةِ فَيَفْعَلُهَا، وَتَكُونُ القُدْرَةُ لِلَّهِ، يُجْرِيهَا عَلَىٰ يَدِهِ تَشْرِيفًا لَهُ لِيُطِيعَ الخَلْقُ ذَلِكَ النَّبِيَّ وَيُصَدِّقُونَهُ وَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُرْسَلٌ إلَيْهِمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فَيَخُصُّ اللَّهُ الرَّسُولَ بِمَا خَصَّ اللَّهُ ذَلِكَ المَلَكَ [عِنْدَ إِظْهَارِهِ الخَسْفَ وَالقَذْفَ الَّذِي يَجْرِي عَلَىٰ يَدِ جِبْرَائِيلَ](2)، وَهَذَا تَفَضُّلٌ وَتَأْدِيبٌ لِلْعِبَادِ، وَيَحُثُّهُمْ بِذَلِكَ الأَدَبِ عَلَىٰ طَاعَتِهِ.
قَالَ السَّائِلُ: فَمَنِ المَلَكُ الآخَرُ؟
قَالَ العَالِمُ عَزَّ عِزُّهُ: هُوَ إِسْرَافِيلُ الَّذِي يَنْفُخُ فِي الصُّورِ، فَلَوْ كَانَ المَخْلُوقُ هُوَ الَّذِي يُحْيِي العِظَامَ البَالِيَةَ، وَالأَوْصَالَ المُتَفَرِّقَةَ وَالأَرْوَاحَ المُتَبَايِنَةَ مِنْ أَطْرَافِ البِلَادِ وَأَوْسَطِهَا وَتَحْتَ التُّرَابِ، لَكَانَ ذَلِكَ العَبْدُ هُوَ المَلِكُ الدَّيَّانُ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُنْزِلُ بِهِ تَدْبِيرَهُ وَقُدْرَتَهُ وَيُعِدُّهُ بَيْتًا مِنْ بُيُوتِهِ، فَالنَّفْخَةُ مِنَ المَلَكِ، وَإِحْيَاءُ الأَمْوَاتِ مِنَ اللَّهِ، وَهُوَ جَامِعُ هَذِهِ الأَشْيَاءِ.




