الإِرَادَةُ وَأَنْوَاعُهَا
وَأَمَّا مَا سَأَلْتَ عَنْهُ مِنَ الإِرَادَةِ، فَالإِرَادَةُ إِرَادَتَانِ: إرَادَةٌ هِيَ الهَيْئَةُ وَإِرَادَةٌ هِيَ الصِّفَةُ، فَأَمَّا الإِرَادَةُ الَّتِي هِيَ الهَيْئَةُ: فَهِيَ الَّتِي لَا مَنْعَ لِلنَّفْسِ عَنْهَا بِقَوْلِ النَّفْسِ: تَكُونُ أَوْ لَا تَكُونُ، وَلَا تَكُونُ حَرَكَةُ النَّفْسِ إلَّا بِذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّفْسَ مُتَحَرِّكَةٌ فِي النَّوْمِ وَاليَقَظَةِ وَذَلِكَ أَنَّهَا قَدْ تَرَىٰ فِي النَّوْمِ كَمَا تَرَىٰ فِي اليَقَظَةِ أَوْ خِلَافَهُ، فَهَذِهِ إرَادَةُ الحَرَكَةِ وَهِيَ لَازِمَةٌ لِلْجِنْسِ فِي الجَوْهَرِ، كَبَيَاضِ الفِضَّةِ فِي الفِضَّةِ، وَحُمْرَةِ الذَّهَبِ فِي الذَّهَبِ، وَغُبْرَةِ الطِّينِ فِي الطِّينِ، لَا يَفْتَرِقُ كُلُّ وَاحِدٍ عَنْ صَاحِبِهِ، وَإِرَادَةٌ مُكْتَسَبَةٌ(1) تَسْمَعُ مَا تَسْمَعُ، وَتُبْصِرُ مَا تُبْصِرُ وَتَشُمُّ مَا تَشُمُّ، وَتَذُوقُ مَا تَذُوقُ، فَتُؤَدِّي الحَوَاسُّ ذَلِكَ إِلَىٰ النَّفْسِ فَتُحْدِثُ إِرَادَةً بَعْدَ إِذْ لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُهَا، فَإِمَّا أَنْ تَقْبَلَهَا وَإِمَّا أَنْ تَدْفَعَهَا بِعَزْمٍ بِمَا فِيهَا مِنَ الإِرَادَةِ عَلَىٰ الدَّفْعِ وَالقَبُولِ فَهَذِهِ إرَادَةٌ مُحْدَثَةٌ.
وَأَمَّا إرَادَةُ الهَيْئَةِ فَمَا يَكُونُ فِي النَّفْسِ تُؤَدِّيهَا النَّفْسُ إِلَىٰ الجَوَارِحِ مِمَّا تَكُنْ تَعْلَمُهُ فَتَقْبَلُهُ، أَوْ لَا تَعْلَمُهُ فَتَدْفَعُهُ.
وَأَمَّا إرَادَةُ الصِّفَةِ(2) فَهِيَ نَعْتُ الجَوْهَرِ وَهِيَ لَيْسَتْ(3) مِنْ تَرْكِيبِهِ، وَالصِّفَةُ وَالإِرَادَةُ لِلْجَوْهَرِ لَيْسَتْ مِنْ تَرْكِيبِهِ.




