مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

الْأُسُوسُ - عَلِيُّ بْنُ مُوسَى الرِّضَا

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 38 من 177

قَالَ العَالِمُ عَزَّ عِزُّهُ: اِعْلَمْ أَنَّ لِكُلِّ جَوْهَرٍ صِفَاتٍ وَهَيْئَةً، فَأَمَّا هَيْئَةُ الجَوْهَرِ مَا لَيْسَ لَهُ عَقِيبٌ أَيْ لَا يَعْقُبُ شَيْئًا آخَرَ، وَأَمَّا صِفَاتُهُ فَمَا كَانَ لَهُ عَقِيبٌ، وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي المَخْلُوقِ وَالخَالِقِ سَوَاءً، مِثْلُ قَوْلِهِ: نُورٌ، وَالنُّورُ جَوْهَرُ الضِّيَاءِ لَا عَقِيبَ لَهُ، لِأَنَّ الضِّيَاءَ لَا يَكُونُ مَكَانُهُ ظُلْمَةً، وَلَوْ كَانَ مَكَانُهُ ظُلْمَةً لَكَانَ النُّورُ مُظْلِمًا، وَلَوْ كَانَ مُظْلِمًا لَكَانَتْ ظُلْمَتُهُ تَحُولُ عَنْ ضِيَائِهِ، وَلَا يَكُونُ لَهُ كِيَانُ النُّورِ، وَكَذَلِكَ النَّعْتُ، وَكَذَلِكَ الظُّلْمَةُ، وَمِنْ نَعْتِهَا الظَّلَامُ فَلَوْ جَازَ أَنْ يُفَارِقَهَا الظَّلَامُ حَتَّىٰ تَصِيرَ ضِيَاءً لَصَارَتْ نُورًا وَذَهَبَ كِيَانُهَا وَجَوْهَرُهَا عَلَىٰ أَنَّهَا ظُلْمَةٌ، فَهَذَانَ نَعْتَانِ لِلْعَقِيبِ، فَاقْتَصِرْ عَلَىٰ نَعْتٍ، فَمَا كَانَ هَكَذَا سَبِيلُهُ فَهُوَ نَعْتٌ، وَأَمَّا الصِّفَةُ فَهُوَ مَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونَ.

قَالَ السَّائِلُ: وَمَا مَثَلُ ذَلِكَ؟

قَالَ العَالِمُ عَزَّ عِزُّهُ: مِثْلُ الحَرَكَاتِ وَالأَلْوَانِ وَالطُّعُومِ وَالنُّقْلَةِ، يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ وَيَجُوزُ أَنْ لَا تَكُونَ، وَالجَوْهَرُ عَلَىٰ هَيْئَتِهِ، وَكَذَلِكَ الخَالِقُ وَالمَخْلُوقُ، وَمِثْلُ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ وَالطِّينِ فَجَوْهَرُ الذَّهَبِ الاِحْمِرَارُ، وَجَوْهَرُ الفِضَّةِ البَيَاضُ، وَجَوْهَرُ الطِّينِ الغُبْرَةُ، وَكَذَلِكَ جَوْهَرُ كُلِّ نَوْعٍ مِنْ هَذِهِ الجَوَاهِرِ، وَقَدْ تُؤْخَذُ الفِضَّةُ فَيُجْعَلُ مِنْهَا السِّوَارُ وَالخَاتَمُ وَالقِلَادَةُ، فَلَا يَذْهَبُ جَوْهَرُ الفِضَّةِ وَلَا يَتَغَيَّرُ كِيَانُهَا، وَكَذَلِكَ الذَّهَبُ، وَكَذَلِكَ الطِّينُ، يُجْعَلُ عَلَىٰ هَيْئَاتٍ شَتَّىٰ، ثُمَّ يُكْسَرُ فَيُجْعَلُ عَلَىٰ هَيْئَاتٍ أُخْرَىٰ، فَلَا يَذْهَبُ جَوْهَرُهُ وَلَا كِيَانُهُ وَلَا هَيْئَتُهُ فِي الجَوَاهِرِ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ عَلَيْهِ هَيْئَاتُ القِسْمَةِ، فَنَعْتُ جَوْهَرِهِ وَاحِدٌ مِنْ بَيَاضٍ وَحُمْرَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَمْ يَنْقُصْ مِنْ جَوْهَرِهِ شَيْءٌ، وَلِذَلِكَ بَطلَتِ الصِّفَاتُ الدَّاخِلَاتُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِهِ وَكَذَلِكَ النَّعْتُ مِنْ جِنْسِ الجَوْهَرِ، وَالصِّفَةُ لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِهِمَا لِبُطْلَانِ الصِّفَاتِ وَإِثْبَاتِ النُّعُوتِ، وَذَلِكَ أَنَّ الأَجْسَامَ الَّتِي لَيْسَتْ لَهَا صُورَةٌ وَلَا نُقْلَةٌ فِيهَا، لَهَا هَيْئَاتٌ وَجَوْهَرٌ.

الصفحة 38 من 177