مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

الْأُسُوسُ - عَلِيُّ بْنُ مُوسَى الرِّضَا

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 37 من 177

ثُمَّ قَالَ العَالِمُ عَزَّ عِزُّهُ لِلسَّائِلِ: خُذْ مَا أَعْطَيْتُكَ بِشُكْرٍ، فَقَدْ فَصَّلْتُ لَكَ الخَالِقَ مِنَ المَخْلُوقِ وَالرَّبَّ مِنَ المَرْبُوبِ تَفْصِيلًا وَاضِحًا، وَبَيَّنْتُ لَك ذَلِكَ وَهَدْيَتُكَ إلَيْهِ، وَأَخْبَرْتُكَ بِصِفَةِ القِدَمِ وَالحَدَثِ وَصِفَةِ الأَجْسَامِ، صِفَةِ الأَجْسَامِ الَّتِي يَظْهَرُ بِهَا.

قَالَ السَّائِلُ: أَخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ هَذِهِ الأَجْسَامِ وَتَرْكِيبِهَا وَانْفِرَادِهَا، وَانْفِرَادِ الجِسْمِ الوَاحِدِ وَتَرْكِيبِ الأَشْخَاصِ عِنْدَهُ، وَالبُيُوتِ الَّتِي يَسْكُنُهَا، وَالمَوَاضِعِ الَّتِي يَنْطِقُ مِنْهَا، وَمَا جَوْهَرُ نَفْسِهِ وَمَا جَوْهَرُ إِرَادَتِهِ، وَمَا جَوْهَرُ حَيَاتِهِ، وَمَا جَوْهَرُ قَضَائِهِ، وَمَا جَوْهَرُ تَقْدِيرِهِ، وَتِلْكَ الجَوَاهِرُ قَدِيمَةٌ أَمْ حَدِيثَةٌ؟ فَإِنْ قُلْتَ أَيُّهَا العَالِمُ: إنَّهَا جَوَاهِرُ قَدِيمَةٌ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهَا فَمَا عِلَّةُ الإِرَادَةِ مَعَهُ وَالمَشِيئَةِ وَالقَضَاءِ وَالأَمْرِ وَالقُدْرَةِ(1) وَالكَلَامِ وَالنَّفْسِ؟ وَإِنْ زَعَمْتَ أَنَّهَا مُحْدَثَةٌ مُنْفَصِلَةٌ مِنْهُ فَلَيْسَ هِيَ إرَادَتَهُ وَلَا مَشِيئَتَهُ وَلَا قَضَاءَهُ وَلَا تَقْدِيرَهُ، لِأَنَّ مَا بَعُدَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنْ جَوْهَرِهِ، وَهَذِهِ الجَوَاهِرُ فِيهِ أَوْ مِنْهُ؟ فَإِنْ كَانَتْ فِيهِ كَانَتْ قَدِيمَةً، وَإِنْ كَانَتْ مَعَهُ فَهِيَ لَهُ، وَإِنْ كَانَتْ فِي غَيْرِهِ فَلَيْسَتْ هِيَ لَهُ فِيمَا وَصَفْتَهُ لِي، أَفْهِمْنِي ذَلِكَ وَبَيِّنْهُ لِي وَعَرِّفْنِي ذَلِكَ كَمَا عَرَّفْتَنِي حَدَّ الأَجْسَامِ لِأَفْهَمَهَا وَأَتَقَرَّبَ بِهَا إلَىٰ رَبِّي وَأَعْرِفَ كَيْفَ أَعْبُدُهُ؟

قَالَ العَالِمُ عَزَّ عِزُّهُ: سَأَلْتَ فَافْهَمْ، وَتَعَمَّقْتَ فَاعْلَمْ، وَتَبَصَّرْ إذَا عَقِلْتَ، فَإِنَّهُ لَا بَصَرَ إلَّا بِفِكْرٍ، وَلَا فِكْرَ إلَّا بِعَقْلٍ، وَلَا عَقْلَ إِلَّا بِبَصِيرَةٍ، وَلَا بَصِيرَةَ إِلَّا بِرَحْمَةٍ، وَلَا رَحْمَةَ إِلَّا بِتَأْيِيدِ الرُّوحِ وَالرِّيحِ، فَمَا كَانَ مِنْ تَأْيِيدِ الرُّوحِ فَهُوَ مَا أَوْقَفْتُكَ عَلَيْهِ مِنْ الفِكْرِ، وَمَا كَانَ مِنْ تَأْيِيدِ الرِّيحِ فَهُوَ مَا أَوْقَعَكَ عَلَيْهِ الأَنْبِيَاءُ مِنَ الجَوَابِ، وَمَا كَانَ مِنْ الجَوْهَرِ فَهُوَ مَا أَوْقَعَكَ عَلَيْهِ الرُّسُلُ مِنَ الحُجَجِ، وَمَا كَانَ مِنَ الرُّبُوبِيَّةِ فَهُوَ مَا أَظْهَرَتْهُ الرُّسُلُ مِنَ الآيَاتِ وَالدَّلَالَاتِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا وَلَا بِمِثْلِهَا فِي الدُّنْيَا وَلَا الآخِرَةِ، وَذَلِكَ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَصِفَاتُ جَوْهَرِهِ مَا أَخْبَرْتُكَ بِهِ، ثُمَّ أَعُودُ إلَىٰ تَفْسِيرِ ذَلِكَ بِمِنَّةِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ.

الهوامش

1في نسخ أخرىٰ: القدر.
الصفحة 37 من 177