مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

الْأُسُوسُ - عَلِيُّ بْنُ مُوسَى الرِّضَا

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 36 من 177

وَالبَصَرُ مُدْرِكٌ لِهَذِهِ الأَشْيَاءِ كُلِّهَا وَلَا يُدْرِكُهَا مِنَ الحَوَاسِّ غَيْرُ البَصَرِ وَالحَوَاسُّ لَا تُدْرِكُ إِلَّا كُلَّ جِسْمٍ عَلَىٰ حَالِهِ مِنَ الأَجْسَامِ المُتَجَاوِرَةِ(1)، فَأَمَّا الأَجْسَامُ المُنْفَرِدَةُ فَلَا تَرَاهَا إِلَّا العَيْنُ، فَهَذَا حَدُّ الأَجْسَامِ فِي الحَوَاسِّ، فَمَا أَدْرَكَتْهُ العَيْنُ فَهُوَ عَلَىٰ أَرْبَعَةِ وُجُوهٍ مِنَ الأَجْسَامِ الكَثِيفَةِ: فَوْقٌ وَتَحْتٌ وَيَمِينٌ وَشِمَالٌ، وَتَرَىٰ الأَجْسَامَ الدَّقِيقَةَ فِي غَايَةِ الدِّقَّةِ(2) الَّتِي لَا تَحْجُبُ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ، وَلَا تَقَعُ عَلَيْهَا الصُّوَرُ، فَهَذَا حَدُّ الجِسْمَيْنِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا مِنَ الأَجْسَامِ، وَالأَجْسَامُ الدَّقِيقَةُ(3) فِي الدُّنْيَا الَّتِي شَاهَدَهَا العِيَانُ لَا صُورَةَ لَهَا وَلَكِنْ لَهَا جَوْهَرٌ وَهَيْئَةٌ، وَالأَجْسَامُ المُتَكَاثِفَةُ لَهَا صُورَةٌ وَجَوْهَرٌ وَهَيْئَةٌ، فَهَذَا حَدُّ هَذَيْنِ الجِسْمَيْنِ المُدَبَّرَيْنِ المَخْلُوقَيْنِ، فَفَضْلُ العِيَانِ عَلَىٰ الجَوَارِحِ كَفَضْلِ الرَّبِّ عَلَىٰ العَبْدِ، وَذَلِكَ أَنَّ العِيَانَ يُبْصِرُ مَا تُدْرِكُهُ الحَوَاسُّ وَلَا تُدْرِكُ الحَوَاسُّ مَا يُبْصِرُهُ العِيَانُ، كَذَلِكَ فَضْلُ الجِسْمَيْنِ اللَّذَيْنِ بِجِهَاتٍ وَصُوَرٍ عَلَىٰ الأَجْسَامِ الَّتِي لَيْسَ لَهَا جِهَاتٌ وَلَا صُوَرٌ، وَالجِسْمُ المُنْفَرِدُ القَدِيمُ الخَالِقُ لَهُ صُورَةٌ وَهَيْئَةٌ، فَصُورَتُهُ السَّمْعُ وَالبَصَرُ وَالفُؤَادُ، وَهَيْئَتُهُ النَّفْسُ وَالنُّطْقُ وَالرُّوحُ وَالإِرَادَةُ وَالمَشِيئَةُ وَالقُدْرَةُ وَالظُّهُورُ كَيْفَ شَاءَ بِمَا شَاءَ لَا يُكْرَهُ عَلَىٰ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَهَذِهِ هَيْئَتُهُ فِي التَّوْحِيدِ بِالرُّبُوبِيَّةِ، وَيَجِبُ لَهُ ذَلِكَ بِصِفَةِ الكَمَالِ عَنْ صِفَةِ العَجْزِ، وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ لَهُ عَيْنَانِ لَيْسَ كَمَنْ لَهُ عَيْنٌ وَاحِدَةٌ، وَمَنْ لَيْسَ لَهُ إلَّا عَيْنٌ لَيْسَ هُوَ كَمَنْ لَا عَيْنَ لَهُ، وَكَذَلِكَ فَضْلُ جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِمَّنْ يُوصَفُ بِالكَمَالِ عَلَىٰ مَنْ يُوصَفُ بِالعَجْزِ فِي بَعْضِ الحَوَاسِّ، وَأَمَّا الجِسْمُ الخَامِسُ فَهُوَ جِسْمُ النُّقْلَةِ، ذُو جِهَاتٍ أَرْبَعٍ يَحْسَبُهُ مَنْ يَرَاهُ مَخْلُوقًا، حَتَّىٰ يُظْهِرَ الجِهَةَ الوَاحِدَةَ النَّاطِقَةَ القَادِرَةَ(4) السَّامِيَةَ العَالِيَةَ، فَهِيَ جِهَةٌ وَاحِدَةٌ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ، فَكَيْفَ يُشْبِهُهَا صِفَةٌ أَوْ جِسْمٌ أَوْ هَيْئَةٌ.

الهوامش

1في نسخة اخرىٰ: الْمُتَفَرِّقَةَ
2في نسخة أخرىٰ: الأجسام الرفيعة في غاية الرقة.
3في نسخة أخرىٰ: الرفيعة.
4في نسخة أخرىٰ: الفاخرة. لكن غير مرجحة.
الصفحة 36 من 177