قَالَ السَّائِلُ: قَدْ عَرَّفَتْنِي الأَجْسَامَ المَخْلُوقَةَ وَالمُتَجَاوِرَةَ وَالمُفْرَدَةَ فِي الحَوَاسِّ فَإِنْ أَخْرَجْتَ الخَالِقَ مِنْ هَذِهِ الحُدُودِ أَخْرَجْتَهُ مِنْ حَدِّ الأَجْسَامِ وَمِنْ حَدِّ الأَعْرَاضِ وَذَلِكَ أَنَّ الأَعْرَاضَ تُدْرَكُ بِهَذِهِ الجِهَاتِ الأَرْبَعِ؟
قَالَ العَالِمُ عَزَّ عِزُّهُ: فَإِنَّهُ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْ حَدِّ الأَجْسَامِ وَهُوَ خَارِجٌ مِنْ حَدِّ الأَعْرَاضِ لِأَنَّهُ لَا يُحَدُّ بِغَيْرِ هَذَا الحَدِّ وَهُوَ حَدٌّ لَا فِي حُدُودٍ، إِذْ كَانَ الخَالِقُ لَيْسَ هُوَ طَعْمٌ وَلَا لَوْنٌ وَلَا رَائِحَةٌ وَلَا صَوْتٌ، وَلَكِنَّهُ جِسْمٌ آخَرُ خَامِسٌ مُنْفَرِدٌ بِالوَحْدَانِيَّةِ القَدِيمَةِ الأَزَلِيَّةِ يُدْرَكُ بِالعِيَانِ، يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَلَيْسَتِ الأَبْصَارُ تُدْرِكُهُ بِالإِحَاطَةِ، فَلَيْسَ هُوَ لَوْنًا وَلَا رَائِحَةً وَلَا صَوْتًا وَلَا طَعْمًا(1) وَلَكِنَّهُ مَوْجُودٌ بِالعِيَانِ، وَالعِيَانُ قَدْ يُدْرِكُ الخَالِقَ وَالمَخْلُوقَ بِجِهَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَيْسَ الخَالِقُ وَالمَخْلُوقُ جِهَةً وَاحِدَةً، وَذَلِكَ أَنَّ العِيَانَ قَدْ يَرَىٰ الصَّغِيرَ وَالكَبِيرَ، وَالذَّكَرَ وَالأُنْثَىٰ، وَالنُّقْصَانَ وَالزِّيَادَةَ، وَاللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَالفَوْقَ وَالتَّحْتَ، وَالأُذُنُ لَا تُدْرِكُ إِلَّا الصَّوْتَ وَحْدَهُ.
وَكَذَلِكَ الأَنْفُ لَا يُدْرِكُ إِلَّا الشَّمَّ وَحْدَهُ، وَكَذَلِكَ الفَمُ لَا يُدْرِكُ إِلَّا الطَّعْمَ وَحْدَهُ وَكَذَلِكَ الحِسُّ لَا يُدْرِكُ إِلَّا الخُشُونَةَ وَاللِّينَ، وَالعِيَانُ يُدْرِكُ الأَجْسَامَ المُتَفَرِّقَةَ(2) وَالمُجْتَمِعَةَ وَقَدْ يَرَىٰ الجِسْمَ المُتَجَاوِرَ لِلْجِسْمِ الَّذِي لَهُ تَحْتٌ وَفَوْقٌ وَيَمِينٌ وَشِمَالٌ، وَقَدْ يَرَىٰ الأَجْسَامَ المُنْفَرِدَةَ الَّتِي لَا طَوِيلَةٌ وَلَا عَرِيضَةٌ، مِثْلَ الهَوَاءِ، وَمِثْلَ ضِيَاءِ الشَّمْسِ، وَمِثْلَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَا تَحْتَ لَهُمَا وَلَا فَوْقَ وَلَا يَمِينَ وَلَا شِمَالَ، وَلَا يُوجَدُ لَهُ رَائِحَةٌ وَلَا صَوْتٌ وَلَا طَعْمٌ وَلَا حِسٌّ مِنْ خُشُونَةٍ وَلِينٍ،




