وَالجِهَاتُ هِيَ الأَجْسَامُ، وَالأَجْسَامُ المُتَجَاوِرَةُ مُخْتَلِفَةٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الطَّبَائِعَ أَرْبَعَةٌ وَالأَجْسَامَ أَرْبَعَةٌ، لِكُلِّ طَبِيعَةٍ جِهَةٌ، وَلِكُلِّ جِسْمٍ جِهَةٌ، جِهَةُ الصَّوْتِ، وَجِهَةُ الرَّائِحَةِ، وَجِهَةُ الطَّعْمِ، وَجِهَةُ الحِسِّ، وَلِكُلِّ حَاسِّيَّةٍ(1) مِنْ هَذِهِ جِسْمٌ، فَهِيَ أَجْسَامٌ تَفْتَرِقُ فِي الحَوَاسِّ وَتَجْتَمِعُ فِي المَكَانِ، فَلَوْ كَانَ الجِسْمُ الَّذِي يَسْمَعُ هُوَ الجِسْمُ الَّذِي يَشُمُّ لَكَانَ الإِنْسَانُ إذَا سَمِعَ شَيْئًا دَرَىٰ أَيَّ شَيْءٍ رَائِحَتَهُ، وَقَدْ يَسْمَعُ الصَّوْتَ وَلَا يَدْرِي أَيَّ شَيْءٍ رَائِحَتَهُ، وَيَشُمُّ وَلَا يَدْرِي أَيَّ شَيْءٍ صَوْتَهُ، وَيَرَىٰ وَلَا يَدْرِي أَيَّ شَيْءٍ طَعْمَهُ، وَيَذُوقُ وَلَا يَدْرِي أَيَّ شَيْءٍ صَوْتَهُ وَلَا أَيَّ شَيْءٍ رَائِحَتَهُ، وَذَلِكَ أَنَّ الأَعْمَىٰ قَدْ يَسْمَعُ الصَّوْتَ وَلَا يَرَىٰ، وَقَدْ يَكُونُ الإِنْسَانُ أَخْشَمَ فَلَا يَشُمُّ الرَّائِحَةَ وَيَسْمَعُ الصَّوْتَ، وَقَدْ يَكُونُ أَصَمَّ لَا يَسْمَعُ الصَّوْتَ، وَيَشُمُّ الرَّائِحَةَ وَلَمْ يَرَ وَيَلْبَسُ الثَّوْبَ فَيدْرِي أَخَشِنٌ هُوَ أَمْ غَيْرُ خَشِنٍ، وَقَدْ يَلْبَسُ الثَّوْبَ فَيَعْلَمُ بِحَاسَّتِهِ الَّتِي هِيَ اللَّمْسُ لَيِّنٌ أَمْ خَشِنٌ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ: سَمِعْتُ خُشُونَتَهُ أَوْ سَمِعْتُ لُيُونَتَهُ، فَهَذِهِ أَجْسَامٌ مُنْفَرِدَةُ الحَوَاسِّ، مُجْتَمِعَةٌ فِي العِبَارَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ شَيْئٌ مِنْ جِسْمٍ يُرَىٰ إِلَّا وَلَهُ تَحْتٌ وَفَوْقٌ وَيَمِينٌ وَشِمَالٌ، وَهِيَ الأَجْسَامُ المُخْتَلِفَةُ فَذَلِكَ حَدُّ الأَجْسَامِ المَخْلُوقَةِ المُجْتَمِعَةِ.
قَالَ السَّائِلُ: كَأَنَّ هَذِهِ الحَوَاسُّ لَيْسَتْ بِأَجْسَامٍ؟
قَالَ العَالِمُ عَزَّ عِزُّهُ: وَإِنْ كَانَتْ أَجْسَامًا لَيْسَتْ بِأَعْرَاضٍ.




