قَالَ السَّائِلُ: اِهْدِنِي مِنْ ذَلِكَ إِلَىٰ مَا لَا يَكُونُ بِالصُّورَةِ ذَمٌّ إِذَا قُلْتُ بِهَا وَشَاعَ(1) عِنْدَ الجَاهِلِ وَأَعْطِنِي مَا يَصِحُّ فِي عَقْلِي وَلَا يَقَعُ عَلَيَّ فِيهِ جِدَالٌ بِالبَاطِلِ، وَأَعْطِنِي مِنْ أَصُولِ التَّوحِيدِ مَا يَنْفِي عَنِّي وَهْمِي(2) وَرَهْبَتِي، وَتَطِيبُ بِهِ نَفْسِي، وَيُذْهِبُ عَنْ فِكْرِي الوَسَاوِسَ؟
قَالَ العَالِمُ عَزَّ عِزُّهُ: نَعَمْ، مَا دُمْتَ سَأَلْتَ أَيُّهَا السَّائِلُ عَنْ ذَلِكَ فَافْهَمْ، وَاعْلَمْ أَنَّ الصُّورَةَ عَلَىٰ خَمْسَةِ أَجْزَاءٍ، وَالأَبْدَانَ عَلَىٰ خَمْسَةِ أَجْزَاءٍ، لَا سَادِسَ لَهَا وَلَا رَابِعَ دُونَهَا، فَإِذَا عَرَفْتَ ذَلِكَ دَفَعْتَ الشُّبْهَةَ، وَتَكَلَّمْتَ بِالحُجَّةِ، وَحَبَسْتَ عَنْكَ الجَهْلَةَ، وَذَلِكَ كَمَالُ مَا تَعْرِفُ بِهِ الحَقَّ وَالبَيَانَ.
فَأَمَّا أوَّلُ وَجْهِ مِنَ الأَجْسَامِ، فَإِنَّهُ بَسِيطٌ ذُو جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، إِذَا كَانَ مُتَفَرِّقًا(3) ذَا وَحْدَانِيَّةٍ يُدْرَكُ بِحَاسَّةٍ وَاحِدَةٍ فَهُوَ جِسْمٌ مُنْفَرِدٌ وَاحِدٌ لَا ثَانِيَ مَعَهُ، وَإِذَا كَانَا جِسْمَيْنِ مُجْتَمِعَيْنِ، كَانَا ذَوَا جِهَتَيْنِ تُدْرَكُ بِحَاسَّتَيْنِ، وَإِذَا كَانَتْ ثَلَاثَةُ أَجْسَامٍ، فَتُدْرَكُ بِثَلَاثِ حَوَاسَّ، وَإِذَا كَانَتْ أَرْبَعَةُ أَجْسَامٍ مُتَجَاوِرَةٍ، تُدْرَكُ بِأَرْبَعِ حَوَاسَّ، وَأَمَّا الأَجْسَامُ المَخْلُوقَةُ فَتُدْرَكُ بِالطَّعْمِ وَتُدْرَكُ بالحِسِّ، وَتُدْرَكُ بِاللَّوْنِ، وَأَمَّا الأَجْسَامُ المُتَجَاوِرَةُ عَنْ ذَلِكَ، فَتُدْرَكُ بِالحَوَاسِّ الأَرْبَعِ وَتَجِدُ لَهَا طَعْمًا وَرَائِحَةً وَصَوْتًا وَحِسًّا، وَإِذَا كَانَ الجِسْمُ ذَا جِهَتَيْنِ يُدْرَكُ بِحَاسَّتَيْنِ، فَهُوَ جِنْسَانِ مُخْتَلِفَانِ بِاخْتِلَافِ الحَاسَّتَيْنِ، وَإِذَا كَانَتْ ثَلَاثَةُ أَجْسَامٍ، كَانَ جِسْمًا ذَا ثَلَاثِ جِهَاتٍ مُتَجَاوِرَةٍ، وَإِذَا كَانَتْ أَرْبَعُ جِهَاتٍ، كَانَتْ أَرْبَعَةَ أَجْسَامٍ مُتَجَاوِرَةٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الحَاسِّيَّة لَا تُدْرَكُ إِلَّا بِالحِسِّ، وَاخْتِلَافُ الحَوَاسِّ يَدُلُّ عَلَىٰ اخْتِلَافِ الأَجْسَامِ، وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ حَاسِّيَّةٍ لَهَا جِسْمٌ مُنْفَرِدٌ، فَإِذَا أُدْرِكَ الشَّيْءُ بِجَمِيعِ الحَوَاسِّ، كَانَتْ جِهَاتُهَا مُخْتَلِفَةً.




