قَالَ السَّائِلُ: أَعْطِنِي مِنَ القُدْرَةِ ثَلَاثًا يَدْخُلُ مِنْهَا تَعْلِيمِي لِلْجَاهِلِ، وَفِطْنَةً لِلْعَالِمِ، وَتَزْكِيَةً [لِلْمُتَعَلِّمِ الفَطِنِ، كَيْ أَقْدِرَ](1) أَنْ أُعَلِّمَ كُلَّ جَاهِلٍ.
قَالَ العَالِمُ عَزَّ عِزُّهُ: إِنَّ العَالِمَ أَبٌ وَطَبِيبٌ مُدَاوٍ، فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْظُرَ وَيَضَعَ دَوَاءَهُ حَيْثُ يَرَىٰ الدَّاءَ، وَكَيْفَ يُفَطِّنُ الذَّكِيَّ، وَكَيْفَ يُخْبِرُ الجَاهِلَ، وَكَيْفَ يُوهِمُ الأَحْمَقَ، وَكَيْفَ يُغَذِّي الصَّبِيَّ وَكَيْفَ يُخْرِجُ الشَّكَّ، وَكَيْفَ يُعْذِبُ المُرَّ وَيُحَلِّي طَعْمَ المَذَاقِ عَلَىٰ القُلُوبِ المُخْتَلِفَةِ.
ثُمَّ ضَرَبَ العَالِمُ عَزَّ عِزُّهُ لِلسَّائِلِ مَثَلًا فَقَالَ: إِنَّ مَثَلَ مَنْ يُعَلِّمُ كَمَثَلِ الشَّمْسِ، يَرَاهَا النَّاسُ وَلَا يَرَوْنَ عَمَلَهَا، تَطِلُّ عَلَىٰ كُلِّ أَجْنَاسِ النَّاسِ، وَيَنْتَفِعُ بِهَا الكُلُّ وَهُمْ لَا يَعْرِفُونَ عَمَلَهَا، بِحَرِّهَا وَجَرَيَانِهَا، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الخَلْقِ قَدِ انْتَفَعَ بِهَا فِي رُؤْيَتِهَا، وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِهَا فِي عَمَلِهَا، فَمَثَلُهُمْ كَمُنَاجِيِّي(2) المَوْتَىٰ، يَعْرِفُونَ بِمَجِيءِ أَرْوَاحِهِمْ وَذَهَابِهَا، وَلَا يَعْرِفُونَ مَنْ هِيَ وَكَيْفَ هِيَ، وَإِلَىٰ أَيِّ شَيْءٍ هِيَ، كَذَلِكَ مَثَلُ العَالِمِ وَالجَاهِلِ، كَذَلِكَ قَالَ الأَصْلُ(3) الأَكْبَرُ القَدِيمُ، الأَعْلَىٰ الأَعْظَمُ وَهُوَ يُخْبِرُ بَعْضَ تَلَامِيذِهِ: «إِنَّمَا النَّاسُ ثَلَاثُ طَبَقَاتٍ: عَالِمٌ رَبَّانِيٌّ وَمُتَعَلِّمٌ عَلَىٰ سَبِيلِ النَّجَاةِ، وَمُقَصِّرٌ فِي النَّارِ»(4).
وَقَالَ المَسِيحُ عَزَّ عِزُّهُ أَيْضًا لِبَعْضِ تَلَامِيذِهِ: «مَلَكٌ طَارَ بِجَنَاحَيْهِ، وَمُؤْمِنٌ وَحَّدَ اللَّهَ بِإِصْبَعَيْهِ»، [وَقَالَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَزَّ عِزُّهُ: هَلَكَ خُزَّانُ المَالِ وَبَقِيَ خُزَّانُ العِلْمِ، وَالعُلَمَاءُ بَاقُونَ مَا بَقِيَتِ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ، أَبْدَانُهُمْ مَفْقُودَةٌ، وَأَمْثَالُهُمْ فِي القَلْبِ مَوْجُودَةٌ، المَالُ يَمُوتُ وَتَمُوتُ أَهْلُهُ، وَالعِلْمُ يَبْقَىٰ وَتَبْقَىٰ أَرْوَاحُ أَهْلِهِ، وَيُزَكُّوا عَلَىٰ الإِنْفَاقِ، العِلْمُ خَيْرٌ مِنَ المَالِ العِلْمُ لَا يَنْفَدُ وَالمَالُ يَنْفَدُ](5).




