وَلَا يُوصَفُ بِشَيْءٍ، تُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ وَحْدَهُ، لَمْ يَصِفْ نَفْسَهُ لِخَلْقِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الخَلْقَ لَمْ يَكُونُوا، فَهَذِهِ نِسْبَتُهُ فِي القِدَمِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْتَجْ إِلَىٰ أَحَدٍ أَنْ يَنْسُبَهُ أَوْ يَعْرِفَهُ، أَوْ يُخَاطِبَهُ، أَوْ يُنَاطِقَهُ، فَهَذِهِ صِفَاتُ النَّفْيِ، وَإِثْبَاتُ الجَوْهَرِ بِلَا صِفَةٍ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَغْنٍ أَنْ يَصِفَ نَفْسَهُ لِنَفْسِهِ، وَمُسْتَغْنٍ أَنْ يُكَلِّمَ نَفْسَهُ لِنَفْسِهِ، فَهَذِهِ صِفَاتُ القِدَمِ.
ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ شَاءَ وَأَرَادَ، وَقَدَّرَ وَقَضَىٰ، فَتَكَلَّمَ وَأَظْهَرَ الخَلْقَ، وَكَانَ الخَلْقُ الَّذِينَ خَلَقَهُمْ وَظَهَرَ لَهُمْ، يَرَوْنَهُ وَيُشَاهِدُونَهُ وَيُثْبِتُونَهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ رُوحَانِيُّونَ، فَأَمْكَنَهُمُ النَّظَرَ إِلَيْهِ بِلُطْفِ ذَوَاتِهِمْ، وَبِهِ سَمِعُوا كَلَامَهُ، وَعَلِمُوا قُدْرَتَهُ وَعِلْمَهُ، فَحِينَئِذٍ وَقَعَتِ الصِّفَاتُ، وَاحْتِيجَ إِلَىٰ المَعَارِفِ وَنِسْبَةِ الأَمَاكِنِ الَّتِي كَانَتْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُجَنِّسَ الأَجْنَاسَ، فَوَصَفَتِ المَلَائِكَةُ الرُّوحَانِيُّونَ صِفَةَ القَدِيمِ الأَزَلِ بِمَا رَأَتْ مِنْهُ، وَذَلِكَ أَنَّهَا سَمِعَتْ مِنْهُ كَلَامًا، وَرَأَتْ لَهُ نَفْسًا وَرَأَتْ لَهُ رُوحًا، وَرَأَتْ مِنْهُ قُدْرَةً، وَشَاهَدَتْ مِنْهُ مَا شَاهَدَتْ مِنْ أَنْفُسِهَا، فَلَمْ تَعْرِفْ بِأَنَّهُ رَبُّهَا قَبْلَ النُّطْقِ، فَلَمَّا أَنْ ظَهَرَ بِالنُّطْقِ، عَلِمَتْ أَنَّهُ رَبُّهَا بِالنُّطْقِ وَالنَّفْسِ وَالذَّاتِ وَالقُدْرَةِ.
ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ أَظْهَرَ نَفْسَهُ أَشْخَاصًا وَأَرْوَاحًا بَسِيطَةً كَهَيْئَةِ المَلَائِكَةِ، وَصُوَرًا مُخْتَلِفَةً بِصُورَةِ الشَّيْخِ الأَبْيَضِ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ، وَهُوَ مَا وَصَفَهُ دَانْيَالُ حِينَ رَأَىٰ قَدِيمَ الأَيَّامِ عَلَىٰ كُرْسِيٍّ مِنْ نُورٍ وَحَوْلَهُ المَلَائِكَةُ عَلَىٰ صُورَةِ الشَّيْخِ الأَبْيَضِ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ، وَذَلِكَ فِي صِفَةِ الهَيْبَةِ وَالوَقَارِ وَالرَّحْمَةِ، يَتَلَطَّفُ فِي المَلَائِكَةِ، ثُمَّ نَظَرَتْ إِلَيْهِ فَرَأَتْهُ كَهَيْئَةِ الشَّابِّ رَاكِبًا عَلَىٰ أَسَدٍ مِنْ نُورٍ مَفْتُولَ السِّبَالِ، وَذَلِكَ بِهَيْئَةِ الغَضَبِ، ثُمَّ أَرَاهَا قُدْرَتَهُ فِي التَّرْبِيَةِ وَالغِذَاءِ فِي صُورَةِ الطِّفْلِ الصَّغِيرِ، وَأَرَاهُمْ كَيْفَ يُغَذَّىٰ، وَكَيْفَ يُنْشَأُ وَكَيْفَ يُفْطَمُ، فَعَلِمَتِ المَلَائِكَةُ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَذَلِكَ أَنَّ المَلَائِكَةَ رَأَتْ مِنَ الشَّيْخِ قُدْرَةً وَعِلْمًا، وَمِنَ الشَّابِّ قُدْرَةً وَعِلْمًا، وَمِنَ الطِّفْلِ الصَّغِيرِ قُدْرَةً وَعِلْمًا، فَاخْتَلَفَتْ عَلَيْهِمُ الصُّوَرُ، وَلَمْ تَخْتَلِفْ عَلَيْهِمُ القُدَرُ، فَقَالُوا: اِظْهَرْ بِمَا شِئْتَ وَكَيْفَ شِئْتَ، أَنْتَ أَنْتَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ.




