وَأُحَذِّرُكَ أَنْ تَكْفُرَ بِاللَّهِ مِنْ حَيْثُ لَا تَعْلَمُ، أَوْ تُكَذِّبَ بِقُدْرَتِهِ، فَمِنْ حَيْثُ مَا أَتَتْكَ أَجِبْهَا وَاقْصِدْ إِلَيْهَا وَلَا تَكُنْ عَلَيْكَ حُجَّةٌ فِي تَعْطِيلِهَا(1) وَتَكْذِيبِهَا وَالشَّكِّ فِيهَا وَالوُقُوفِ دُونَهَا.
وَاعْلَمْ أَيُّهَا السَّائِلُ: أَنَّ الزَّمَانَ كُلَّهُ لِلرَّبِّ، كَمَا ظَهَرَ فِي أَوَّلِ الخَلْقِ، كَذَلِكَ يَظْهَرُ فِي آخِرِهِ، وَكَذَلِكَ فِي أَوْسَطِهِ، فَلَا تُكَذِّبَنَّ الأَوْقَاتَ بِظُهُورِهِ وَلَا تُحَيِّزْهَا، فَكَمَا عَدَلَ فِي أَوَّلِ خَلْقِهِ، كَذَلِكَ يَعْدِلُ(2) فِي آخِرِهِمْ وَفِي أَوْسَطِهِمْ، وَكَمَا عَدَلَ فِي المَلَائِكَةِ، كَذَا يَعْدِلُ عَلَىٰ الآدَمِيِّينَ.
وَاتِّقِ المُسُوخِيَّةَ، فَإِنَّ أَصْلَهَا التَّكْذِيبُ، وَلَا تَظْلِمَنَّ أَحَدًا، فَإِنَّ الأَشْيَاءَ تُدَالُ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ، إِلَّا الصُّورَةَ المَمْسُوخَةَ، فَإِنَّهَا لَا تُدَالُ مِنَ المُؤْمِنِ وَتُدَالُ مِنَ الكَافِرِ، وَأَدِّ الأَمَانَةَ إِلَىٰ مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَعْبُدِ اللَّهَ خَوْفًا فَتُشْرِكَ بِهِ مِنْ حَيْثُ لَا تَعْلَمُ، لِأَنَّكَ تَخَافُ غَيْرَهُ، وَلَا تَعْمَلَنَّ لَهُ طَمَعًا، فَإِنَّ الطَّمَعَ غَيْرُهُ، وَلَكِنِ اعْمَلْ لَهُ حُبًّا وَشَوْقًا.
وَوَصِيَّتِي إِلَيْكَ: إِيَّاكَ أَنْ تَمِيلَ إِلَىٰ أَهْلِ الجَدَلِ، فَإِنَّ لِسَانَ المُجَادِلِ خُلِقَ مِنْ طَبْعِهِ يُزَهِّدُكَ فِي مَعْرِفَةِ اللَّهِ، وَيَدُلُّكَ عَلَىٰ الشِّرْكِ، وَيَدُلُّكَ عَلَىٰ مَعْقُولِهِ، وَيُخْرِجُكَ مِنْ سُنَنِ الأَنْبِيَاءِ وَشَرَائِعِ الأَوْصِيَاءِ، فَإِذَا رَأَيْتَ رَجُلًا يَدُلُّكَ عَلَىٰ فَهْمِ العُقُولِ، وَبَيَانِ القُلُوبِ، وَسُنَنِ الأَنْبِيَاءِ وَآثَارِ الأَوْصِيَاءِ، وَمَحَلِّ الأَتْقِيَاءِ، يُوَافِقُ قَوْلَهُ فِعْلُهُ، فَذَلِكَ أَبٌ شَفِيقٌ، وَأَخٌ رَفِيقٌ، وَعَالِمٌ مُصِيبٌ.




