[بَلْ أَقُولُ: إِنَّهُ مُحِيطٌ بِهَا لِأَنَّهَا مُحْدَثَةٌ وَهُوَ قَدِيمٌ](1) وَلَيْسَ كَوْنُهُ فِيهَا كُلِّهَا بَلْ عِلْمُهُ فِيهَا كُلِّهَا وَإِنْ كَانَتْ ذَوَاتِ أَعْدَادٍ لَا تُحْصَىٰ، فَلَوْ كَانَ كَوْنُهُ فِيهَا كُلِّهَا كَكَوْنٍ وَاحِدٍ، لَكَانَ مَنْ عَبَدَهُ فِيهَا كُلِّهَا مُصِيبًا، وَلَا يَضِلُّهُ ضَالٌّ، وَلَا يَجْهَلُهُ جَاهِلٌ، وَلَا يَغْفَلُهُ غَافِلٌ(2) وَكَانَ كُلُّ مَنْ عَبَدَ شَيْئًا، أَصَابَ عِبَادَتَهُ، وَعُرِفَ مَوْضِعُهُ، وَفِي ذَلِكَ نَفْيُ الطَّهَارَةِ عَنِ المَوَاضِعِ الطَّاهِرَةِ وَنَفْيُ تَفَاضُلِ المَكَانِ، وَإِنْكَارٌ لِمَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ وَالأَنْبِيَاءُ فِي نَفْيِ الشِّرْكِ وَالكُفْرِ وَالضَّلَالِ وَنَفْيُ ذَلِكَ أَنَّ جَمِيعَ مَا اسْتُقْذِرَ أَنْ تَكُونَ أَمَاكِنَ لِلَّهِ، لَكِنَّهُ فِي مَكَانٍ دُونَ مَكَانٍ مِنْهَا وَاتِّسَاعُ الأَمْكِنَةِ بِالقُدْرَةِ وَالعِلْمِ كَمَا أَنَّ الشَّمْسَ فِي السَّمَاءِ، وَمَحَلَّ ضِيَائِهَا فِي كُلِّ مَكَانٍ وَكَذَلِكَ طَهُرَتِ مَوَاضِعُ، وَتَفَاضَلَتِ أَمَاكِنُ، وَأُجِيبَ الرَّبُّ، وَعُرِفَتْ نِسْبَةُ المَوْضِعِ وَذَلِكَ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا وَهُوَ مَنْسُوبٌ إِلَىٰ نَفْسِهِ وَأَمَاكِنِهِ، كَقَوْلِ القَائِلِ: الشَّمْسُ، يَعْنِي نِسْبَةَ الجَوْهَرِ، ثُمَّ يَقُولُ: هِيَ فِي السَّمَاءِ، فَهُوَ نِسْبَةُ المَكَانِ، فَإِذَا أَتَىٰ بِنِسْبَتِهَا فِي جَوْهَرِهَا وَلَمْ يَأْتِ بِنِسْبَةِ المَكَانِ، كَانَ ذَلِكَ عِنْدَ النَّاسِ جَاهِلًا بِالشَّمْسِ، وَإِنْ أَتَىٰ بِتَسْمِيَتِهَا وَمَعْرِفَةِ جَوْهَرِهَا وَصِفَاتِ حُدُودِهَا جَمِيعًا، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ عَارِفًا غَيْرَ جَاهِلٍ، وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الأَشْيَاءِ مِنَ الأَفْلَاكِ وَالنُّجُومِ، وَالبِحَارِ وَالبُلْدَانِ، يَقُولُ الرَّجُلُ: بَيْتُ المَقْدِسِ، فَإِذَا لَمْ يَنْسُبْهُ إِلَىٰ البَلْدَةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا كَانَ جَاهِلًا بِهِ، حَتَّىٰ يَعْرِفَ وَيَأْتِيَ بِنِسْبَةِ المَكَانِ وَالجَوْهَرِ، فَإِذَا عَرَفَ ذَلِكَ كَانَ عَارِفًا نِصْفَ المَعْرِفَةِ، وَلَمْ تَكُنِ المَعْرِفَةُ تَامَّةً لَهُ حَتَّىٰ يَعْرِفَ مَعْرِفَةَ الرُّؤْيَةِ وَالحُدُودِ وَالصُّورَةِ، وَأَيٍّ مِنْ أَيٍّ، فَإِذَا عَرَفَ ذَلِكَ كَانَ مَعَهُ ثُلُثَا المَعْرِفَةِ، وَلَمْ تَكُنِ المَعْرِفَةُ تَامَّةً حَتَّىٰ يَعْرِفَ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَنْتَقِلَ بِنِسْبَةِ المَكَانِ وَالجَوْهَرِ وَالحُدُودِ وَالرُّؤْيَةِ أَوْ لَا يَنْتَقِلَ هَلْ يَضُرُّهُ انْتِقَالُهُ أَوْ لَا يَضُرُّهُ، هَلْ يَتَغَيَّرُ جَوْهَرُهُ أَوْ لَا يَتَغَيَّرُ، هَلْ يَنْتَقِلُ بِالصَّفَةِ أَوْ لَا يَنْتَقِلُ فَإِذَا عَرَفَ ذَلِكَ كَمُلَتْ لَهُ المَعْرِفَةُ، مَعْرِفَةُ كَوْنِهِ فِي الأَشْيَاءِ.
1في نسخة أخرىٰ: وهذا جواب مسألتك.
2في نسخة أخرىٰ: ولا يعقله عاقل.




