فَأُحَذِّرُكَ ذَلِكَ تَحْذِيرَ مَنْ أَشْفَقَ عَلَيْكَ إِشْفَاقَ الوَالِدِ عَلَىٰ الوَلَدِ، فَإِنَّ عِلْمَ الحَقِيقَةِ لَا تَقْبَلُهُ إِلَّا قُلُوبٌ رَضِيَّةٌ(1)، وَعُقُولٌ كَامِلَةٌ، وَصُدُورٌ وَاسِعَةٌ، وَإِنَّ مُوسَىٰ [لَمَّا كَلَّمَهُ اللَّهُ، فَظَنَّ فِي نَفْسِهِ](2) أَنَّهُ قَدِ احْتَوَىٰ عَلَىٰ العِلْمِ، وَلَمْ يَغِبْ عَنْهُ شَيْءٌ مِنَ الفَهْمِ، فَأَعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ، فَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُخْبِرَهُ وَيُرِيَهُ(3) أَنَّ مِنَ العِلْمِ عِلْمًا لَا يُطِيقُهُ، وَمِنَ الفَهْمِ فَهْمًا لَا يُدْرِكُهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عَالِمًا بَعْدَ أَنْ أَوْكَدَ(4) عَلَيْهِ أَمْرَهُ وَاخْتَبَرَهُ، فَطَلَبَهُ مُوسَىٰ أَنْ يَتَعَلَّمَ مِنْهُ، فَنَظَرَ مُوسَىٰ إِلَىٰ ثَلَاثٍ مِنْ آيَاتِهِ، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ مَا حَكَمَ بِحُكْمِ اللَّهِ.
قَالَ مُوسَىٰ عَزَّ عِزُّهُ: «إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُصَاحِبَكَ عَلَىٰ أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا».
قَالَ العَالِمُ عَزَّ عِزُّهُ: «إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا؟» فَرَكِبَا السَّفِينَةَ، فَخَرَقَهَا العَالِمُ، فَوَثَبَ عَلَيْهِ مُوسَىٰ وَقَالَ: «أَرَدْتَ أَنْ تُغْرِقَنَا؟!».
قَالَ العَالِمُ عَزَّ عِزُّهُ: «لَا، بَلْ أَرَدْتُ أَنْ أُنْجِيَكُمْ(5)، إِنَّ هَاهُنَا مَلِكًا يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا، فَأَرَدْتُ أَنْ يَرَاهَا مَكْسُورَةً فَيَتْرُكَهَا»، قَالَ: «أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا»، قَالَ: «لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ، وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا»، فَانْطَلَقَا(6)، حَتَّىٰ لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ العَالِمُ.




