وَصِيَّةُ العَالِمِ
قَالَ السَّائِلُ: أَوْصِنِي أَيُّهَا العَالِمُ؟(1).
قَالَ العَالِمُ عَزَّ عِزُّهُ: أَوَّلُ مَا أُوصِيكَ بِهِ، وَأُفْهِمُكَ عَنْهُ، وَأُعَرِّفُكَ إِيَّاهُ، مَعْرِفَةُ اللَّهِ الَّتِي لَا عِوَضَ عَنْهَا، وَلَا يُرَادُ غَيْرُهَا، وَلَا يُطْلَبُ إِلَّا بِهَا، وَهِيَ قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ، وَحْدَانِيَّةٌ، صَمَدَانِيَّةٌ شَعْشَعَانِيَّةٌ(2)، نُورَانِيَّةٌ، حَيَّةٌ، نَاطِقَةٌ، عَالِمَةٌ لَيْسَتْ بِجَاهِلَةٍ، مُرِيدَةٌ غَيْرُ أَبِيَّةٍ، فَاللَّهُ ذَاتُ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، مِنْ حَيْثُ مَا أَتَيْتَهَا فَهِيَ هِيَ، إِذَا ظَهَرَتْ بِالعِلْمِ وَالقُدْرَةِ، فَلَا يُرْهِبَنَّكَ(3) فِيهَا شَكُّ شَاكٍّ، وَلَا ذُو مَلَقٍ مُتَضَرِّعٍ، وَلَا هَفْوَةُ(4) مُتَعَبِّدٍ، وَلَا تَرْغَبْ فِي دِينِهِ فَيَدُلَّكَ عَلَىٰ غَيْرِ السَّبِيلِ وَيُرْشِدَكَ إِلَىٰ غَيْرِ الطَّرِيقِ، وَيُزِيلَكَ عَنْ سَبِيلِ الفَهْمِ، قَدْ أَكْثَرَ مِمَّا لَوْ قَلَّ مِنْهُ كَانَ خَيْرًا لَهُ مِمَّا يَهِيمُ بِهِ، وَيَتَقَحَّمُ العِلْمَ، وَلَمْ يَعْرِفْ سَبِيلَ الرُّشْدِ، قَدْ أَكْثَرَ مِمَّا لَوْ قَلَّ مِنْهُ لَكَانَ خَيْرًا لَهُ مِمَّا [يَهِيمُ بِهِ](5)، [يَرْوِي مِنْ غَيْرِ الحَقِّ، يَتَخَبَّطُ](6) فِي العُلُومِ، وَلَا يَعْرِفُ الصَّحِيحَ مِنَ الفَاسِدِ، لَمْ يَتَأَصَّلْ لَهُ فِيهَا أَصْلٌ مِنَ الحِكْمَةِ، وَلَمْ يَعْرِفْ فِيهَا مَوْضِعَ الفِطْنَةِ، قَدْ أُغْرِيَ(7) بِالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ، فَلَا يَغُرَّنَّكَ صَلَاتُهُ وَلَا صِيَامُهُ حَتَّىٰ تَعْرِفَ مَا عَزِيمَةُ عَقْلِهِ، لَا يَعْرِفُ اللَّهَ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ، وَلَا يَأْتِي اللَّهَ مِنْ أَبْوَابِهِ، فَبَدَنُهُ مَشْغُولٌ وَقَلْبُهُ فَارِغٌ مِنَ المَعْرِفَةِ مَبْتُولٌ، يَظُنُّ أَنَّ فِي ذَلِكَ نَجَاتَهُ وَبِهِ يَكُونُ هَلَاكُهُ، لِجَهْلِ مَا تَرَكَّبَ فِي قَلْبِهِ، لَا يَدْفَعُ عَنْهُ شَكًّا بِيَقِينٍ،




