فَصْلٌ فِي سُؤَالِ السَّائِلِ عَنِ اللَّهِ وَمَا حَدُّ المَعْرِفَةِ وَغَايَتُهَا
قَالَ السَّائِلُ: أَخْبِرْنِي أَيُّهَا العَالِمُ عَمَّا يَكُونُ فِي اللَّهِ وَمَا لَا يَجُوزُ فِيهِ، وَمَا يُمْكِنُ مِنْهُ، وَمَا لَا يُمْكِنُ، وَأَيْنَ هُوَ، وَفِي أَيِّ شَيْءٍ هُوَ، وَهَلْ هُوَ خَارِجٌ عَنْ خَلْقِهِ أَمْ دَاخِلٌ فِيهِمْ أَمْ لَا خَارِجٌ وَلَا دَاخِلٌ؟ أَمْ هُوَ مُمَارِجٌ لِخَلْقِهِ أَمْ مُبَايِنٌ، أَمْ لَا مُمَازِجٌ وَلَا مُبَايِنٌ؟ وَمَا حَدُّ المَعْرِفَةِ الَّتِي إِذَا عَرَفَهَا العَارِفُ وَبَلَغَهَا، كَفَتْهُ وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَىٰ مَعْرِفَةٍ غَيْرِهَا، وَهِيَ غَايَةُ المَعْرِفَةِ؟
قَالَ العَالِمُ عَزَّ عِزُّهُ: أَكْثَرْتَ عَلَيَّ مَسَائِلَكَ، وَجَمَعْتَهَا لِنَفْسِكَ، وَجَمَعْتَ كُلَّ مَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ.
قَالَ السَّائِلُ: كَذَلِكَ المُحْتَاجُ إِنَّمَا يَسْأَلُ الغَنِيَّ، فَأَغْنِنِي لِيَذْهَبَ شَكِّي، وَيَأْمَنَ رَوْعِي وَيَسْتَبِينَ أَمْرِي، وَأَعْلَمَ كَيْفَ أَعْبُدُ رَبِّي(1).
قَالَ العَالِمُ عَزَّ عِزُّهُ: أَمَّا أَوَّلُ مَسْأَلَةٍ أُجِيبُكَ عَنْهَا فَهِيَ آخِرُ مَسْأَلَةٍ سَأَلْتَنِي عَنْهَا، لَوْ كَانَ اللَّهُ مُمَازِجًا لِلأَشْيَاءِ لَكَانَ مُشَاكِلًا لَهَا، وَلَوْ كَانَ مُبَايِنًا لَكَانَ ضِدًّا لَهَا، وَلَوْ كَانَ لَا مُبَايِنًا وَلَا مُمَازِجًا لَكَانَ مَجْهُولًا، وَلَكِنْ أَقُولُ: إِنَّهُ مُبَايِنٌ لَهَا فِي جَوْهَرِهَا مِنَ [الهَيْئَةِ وَالقِدَمِ](2) وَالقُدْرَةِ، وَالعِلْمِ وَالقَهْرِ، وَلَا أَقُولُ: إِنَّهُ مُبَايِنٌ لَهَا مُضَادٌّ، بَلْ أَقُولُ: إِنَّهُ خَارِجٌ عَنْهَا، وَلَا أُرِيدُ بِهِ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا، بَلْ إِنَّ جَوْهَرَهُ مُفَارِقٌ لِجَوْهِرِهَا وَإِنْ كَانَ فِيهَا، وَلَا أَقُولُ: إِنَّ جَوْهَرَهُ مُخْتَلِطٌ بِهَا، لِأَنَّهَا مُحْدَثَةٌ وَهُوَ قَدِيمٌ، وَهِيَ مَخْلُوقَةٌ وَهُوَ خَالِقٌ، وَهِيَ مَصْنُوعَةٌ وَهُوَ صَانِعٌ.




