ثُمَّ قَالَ العَالِمُ عَزَّ عِزُّهُ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ القِسِّيسِينَ وَالرُّهْبَانَ لَمَّا بَلَغُوا دَرَجَةَ المَعْرِفَةِ تَزَهَّدُوا وَصَارُوا مِنَ الزُّهَّادِ وَالسَّائِحِينَ، وَاجْتَنَبُوا الدُّنْيَا وَزُخْرُفَهَا شُكْرًا لِمَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَبَلَغَ بِهِمْ دَرَجَةَ الإِيمَانِ، وَعَرَفُوا المَسِيحَ كُنْهَ المَعْرِفَةِ، حَتَّىٰ بَلَغَ مِنْ شَأْنِ الحَوَارِيِّينَ الَّذِينَ حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الصَّوَامِعِ وَالبِيَعِ، وَبَلَغُوا مِنَ الزُّهْدِ مَبْلَغًا لَمْ يَبْلُغْهُ أَحَدٌ مِنَ المِلَلِ شُكْرًا وَحُبًّا، لَا خَوْفًا وَلَا طَمَعًا.
ثُمَّ قَالَ العَالِمُ عَزَّ عِزُّهُ: [قَدْ أَجَبْتُ لَكَ أَيُّهَا السَّائِلُ، وَفَسَّرْتُ لَكَ](1) سَبْعَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً فِي المُسُوخِيَّةِ، وَثَمَانِيَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً فِي النُّشُوءِ(2) وَالوِلَادَةِ، وَتِسْعَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً فِي العُبُودِيَّةِ وَالحُرِّيَّةِ مُبَيَّنَةً ثَابِتَةً، وَأَخْرَجْتُ إِلَيْكَ مِنْ تَفْسِيرِهَا وَبَاطِنِ أَسْرَارِهَا وَمَكْنُونِ عِلْمِهَا، الَّتِي خَفِيَتْ عَنْ هَذَا الخَلْقِ المَنْكُوسِ، الَّذِينَ هُمْ ثِيرَانٌ وَبَقَرٌ وَحَمِيرٌ وَإِبِلٌ، وَقَدْ شَبَّهَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِالأَنْعَامِ، وَحَجَزَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ المَعْرِفَةِ، وَلَبَّسَ عَلَيْهِمْ بِذُنُوبِهِمْ، فَهُمْ عَبِيدٌ لَا يَزَالُونَ فِي التَّحَيُّرِ وَالتِّيهِ، مَفْرُوضٌ عَلَيْهِمْ فِي العُبُودِيَّةِ وَالأَغْلَالِ وَالآصَارِ لِلْجَوَاهِرِ الظُّلْمِيَّةِ الَّتِي هِيَ مِنْ جِنْسِهِمْ، وَصَفَّىٰ(3) الأَحْرَارَ النُّورَانِيِّينَ، وَعَرَّفَهُمْ وَانْتَجَبَهُمْ، وَاصْطَفَاهُمْ بِالمَعْرِفَةِ، وَهِيَ سَبْعَةَ عَشَرَ أَصْلًا(4)، وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ حِجَابًا، وَتِسْعَ عَشْرَةَ مَعْرِفَةً فِي كُلِّ نَوْعٍ وَجِنْسٍ مِنَ العَرَبِ وَالعَجَمِ، وَبَقِيَتْ لَكَ مَسْأَلَتَانِ فَاسْأَلْ(5).




