مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

الْأُسُوسُ - عَلِيُّ بْنُ مُوسَى الرِّضَا

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 120 من 177

قَالَ السَّائِلُ: أَخْبِرْنِي كَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ المُؤْمِنُ بِلَا عَمَلٍ وَلَا فَرْضٍ وَلَا يُطَالَبَ بِشَيْءٍ وَيَكُونَ مُسْتَمِرًّا بِمَنْزِلَةِ الأَحْرَارِ، فَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ شَيْءٌ؟

قَالَ العَالِمُ عَزَّ عِزُّهُ: إِذَا كَمُلَ إِيمَانُ المُؤْمِنِ وَبَلَغَ المَعْرِفَةَ، وَعَرَفَ رَبَّهُ وَحُجُبَهُ وَمَقَامَاتِهِ، وَأَبْوَابَهُ وَأَيْتَامَهُ، وَنُقَبَاءَهُ وَنُجَبَاءَهُ، وَمُخْتَصِّيهِ وَمُخْلَصِيهِ، وَمُمْتَحَنِيهِ وَالمُؤْمِنِينَ فَقَدْ خَرَجَ مِنْ حَدِّ العُبُودِيَّةِ وَصَارَ إِلَىٰ مَنْزِلَةِ الأَحْرَارِ، وَرُفِعَ عَنْهُ الآصَارُ وَالأَغْلَالُ، وَأُبِيحَ لَهُ كُلُّ مَا كَانَ مَحْظُورًا عَلَيْهِ، لِأَنَّ قَلِيلَ العِلْمِ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرِ العَمَلِ، وَإِنَّ مُوسَىٰ عَزَّ عِزُّهُ كَانَ بَيْتًا مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ الَّتِي يَنْزِلُ بِهَا الرَّبُّ وَيَرْتَحِلُ مِنْهَا، وَقَدْ كَلَّمَهُ اللَّهُ وَأَخَذَ مِنْهُ التَّوْرَاةَ، وَاهْتَزَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ، وَأَمَرَهُ بِالطَّهَارَةِ مِنَ البَوْلِ، وَتَرْكِ(1) أَكْلِ لَحْمِ الجِرِّيِّ وَالأَرْنَبِ(2) وَالخِنْزِيرِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَأَمَرَهُ بِالغُسْلِ مِنَ الجَنَابَةِ، فَلَمَّا جَاءَ المَسِيحُ الاِبْنُ وَإِنَّمَا هُوَ الرَّبُّ(3) فِي صُورَةِ الاِبْنِيَّةِ فَظَهَرَ فِي المَرْيَمِيَّةِ غَيْرَ سُنَّةَ مُوسَىٰ وَرَحِمَهُمْ، فَقَالَ: كُلُوا مَا شِئْتُمْ، وَأَطْعِمُوا كُلَّ شَيْءٍ تَطِيبُ بِهِ أَنْفُسُكُمْ، وَرَفَعَ عَنْهُمُ الغُسْلَ مِنَ الجَنَابَةِ وَالوُضُوءِ.

أَفَلَا تَرَىٰ أَيُّهَا السَّائِلُ أَنَّهُ قَدْ أَعْتَقَهُمْ مِنْ كَثِيرٍ مِمَّا فَرَضَ عَلَيْهِمْ مُوسَىٰ، وَهَوَّنَ عَلَيْهِمْ كَثِيرًا مِمَّا قَدْ شَدَّدَ عَلَيْهِمْ مِنَ الأَغْلَالِ وَالآصَارِ، وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ مُسْتَغْنٍ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، فَإِنْ شِئْتُمْ فَاعْمَلُوا، وَإِنْ شِئْتُمْ فَلَا تَعْمَلُوا إِذَا فَهِمْتُمْ حَلَاوَةَ الحُرِّيَّةِ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ التَّشْدِيدَ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا كَانَ حِينَ جَهِلُوهُ، فَلَمَّا اسْتَكْمَلُوا المَعْرِفَةَ، وَعَرَفُوهُ فِي تَجَلِّيهِ بِالأُلُوهِيَّةِ، وَصَارُوا مِنْ أَبْنَائِهِ(4)، فَخُفِّفَتْ عَلَيْهِمُ المَعْرِفَةُ الَّتِي بَلَغُوهَا مِمَّا كَانَ قَدْ شَدَّدَ عَلَيْهِمْ، وَكَذَلِكَ لَمَّا عَرَفُوهُ بِالآبِ وَالاِبْنِ أَعْتَقَهُمْ، فَالحُرُّ إِذَا بَلَغَ دَرَجَةَ المَعْرِفَةِ عِنْدَ اللَّهِ حُبًّا لَا طَمَعًا وَلَا خَوْفًا، صَارَ فِي دَرَجَةِ الأَحْرَارِ.

الهوامش

1في نسخة: وحرم اكل.
2زيادة في نسخة: والأنثىٰ.
3في نسخة: الأب.
4في نسخة: أنبيائه.
الصفحة 120 من 177