فَكَتَبَ إِلَىٰ الأَقَالِيمِ الأَرْبَعَةِ، فَلَمَّا اجْتَمَعَ عِنْدَهُ أَرْبَعَةُ آلَافِ حَكِيمٍ عَلِيمٍ، أَخْبَرَهُمْ بِمَا أَوْحَىٰ اللَّهُ إِلَيْهِ فِي صُنْعِ(1) «كِتَابِ الأُسُوسِ» لِيَجْعَلَهُ مَنَافِعَ لِلنَّاسِ، وَلِيَقِفَ بِهِ عَلَىٰ كُلِّ تُحْفَةٍ وَكُلِّ لُغَةٍ مِنْ سَائِرِ اللُّغَاتِ، وَمَعْرِفَةِ سَائِرِ العُلُومِ.
فَقَالُوا: «أَيُّهَا المَلِكُ، إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ وَبَرَاهُ أَصْلًا، إِذَا عُرِفَ أَصْلُهُ سَهُلَ نَبَاتُهُ وَالرَّأْيُ أَنْ نَصْنَعَ لِمَا نَدَبْتَنَا إِلَيْهِ كِتَابًا يُسَمَّىٰ «تَأْلِيفَ أَبْنِيَةِ الكَلَامِ» لِيَكُونَ أَصْلًا لِمَا ذَكَرْتَ فَإِنَّا إِذَا وَضَعْنَا الأَصْلَ سَهُلَ عَلَيْنَا الفَرْعُ، وَإِذَا لَمْ نَضَعِ الأَصْلَ تَنَاقَضَتْ عَلَيْنَا جَمِيعُ فُرُوعِنَا».
فَقَالَ: قُلْتُمْ حَقًّا، وَأَشَرْتُمْ بِالصَّوَابِ.
قَالَ: فَأَلَّفُوا كِتَابًا وَسَمَّوْهُ «تَأْلِيفَ أَبْنِيَةِ الكَلَامِ»، وَاجْتَمَعَ عَلَىٰ تَأْلِيفِهِ أَرْبَعَةُ آلَافِ حَكِيمٍ عَلِيمٍ، فَلَمَّا أَلَّفُوهُ عَرَضُوهُ عَلَىٰ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ، فَقَرَنَهُ إِلَىٰ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، فَوَجَدَهُ مُشَاكِلًا لَهُ.
فَقَالَ لَهُمْ: قَدْ وَضَعْتُمْ أُصُولَ المَعَارِفِ، وَأَسَّسْتُمْ بُنْيَانَهُ بِفَهْمٍ وَعِلْمٍ وَتَدْبِيرٍ، فَأَتِمُّوا بِنَاءَهُ، وَأَجِيبُوا فِي كُلِّ حَرْفٍ بِمَا يُشَاكِلُهُ، عَلَىٰ أَنَّ الأَمْرَ قَدْ سَهُلَ، وَالآنَ تَفَرَّغُوا لِأَنْفُسِكُمْ لِوَضْعِ كِتَابِ «الأُسُوسِ».




