ثُمَّ قَالَ العَالِمُ عَزَّ عِزُّهُ: وَلَنْ يَرْجِعَ إِلَىٰ ذَلِكَ المَوْضِعِ حَتَّىٰ يَعْرِفَ رَبَّهُ فِي سَبْعِ تَكْرِيرَاتٍ كَمَا جَهِلَهُ فِي سَبْعِ سَمَاوَاتٍ، فَيَكُونُ عَبْدًا مَفْرُوضٌ عَلَيْهِ العَمَلُ، حَتَّىٰ إِذَا عَرَفَ رَبَّهُ فِي سَبْعِ تَكْرِيرَاتٍ، وَتَابَ مِنَ السَّهْوِ وَالغَفْلَةِ، أُعِيدَ(1) إِلَىٰ الحُرِّيَّةِ، وَرُفِعَ عَنْهُ رِقُّ العُبُودِيَّةِ، فَيَصِيرُ إِنْ عَمِلَ عَمَلًا فَثَوَابُهُ لِنَفْسِهِ، وَإِنْ تَرَكَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ عِقَابٌ.
وَكَذَلِكَ الحُرِّيَّةُ وَالعُبُودِيَّةُ، فَالعَبْدُ إِنْ شَاءَ أَوْ أَبَىٰ فُرِضَ عَلَيْهِ العَمَلُ فَرْضًا، وَالحُرُّ إِنْ شَاءَ عَمِلَ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَعْمَلْ، فَيَكُونُ فِي الدُّنْيَا [غَيْرَ مُحَرَّمٍ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ المُحَلَّلَاتِ، وَلَا وَاجِبًا عَلَيْهِ شَيْءٌ إِذَا كَانَ حُرًّا](2)، وَإِذَا كَانَ مَمْلُوكًا وَجَبَ عَلَيْهِ مَا يَجِبُ عَلَىٰ العَبِيدِ وَالمَمَالِيكِ، فَالنَّاسُ عَلَىٰ وَجْهَيْنِ: أَحْرَارٌ وَعَبِيدٌ.
فَأَمَّا العُلَمَاءُ(3) فَهُمُ الأَحْرَارُ، وَأَمَّا الجُهَّالُ فَهُمُ العَبِيدُ، وَأَمَّا الكُفَّارُ فَهُمْ عَبِيدُ العَبِيدِ، وَإِنَّمَا لَا يُتَقَرَّبُ إِلَىٰ اللَّهِ بِهِمْ وَهُمْ كُفَّارٌ مَا دَامُوا عَلَىٰ صُورَتِهِ إِعْظَامًا وَإِجْلَالًا لِصُورَتِهِ، فَإِذَا فَارَقُوا الصُّورَةَ وَصُيِّرُوا إِلَىٰ المُسُوخِيَّةِ فَيُتَقَرَّبُ إِلَىٰ اللَّهِ بِهِمْ مِمَّا مُسِخَ مِنْهُمْ إِذْ كَانُوا كُفَّارًا، أَمَا تَرَىٰ كَيْفَ أُحِلَّ لِلمُؤْمِنِينَ دِمَاءُ الكُفَّارِ إِذَا حَلُّوا فِي القَوَالِبِ المُسُوخِيَّةِ، يَتَقَرَّبُونَ بِذَبْحِهِمْ إِلَىٰ اللَّهِ، وَإِذَا كَانُوا فِي صُورَةِ الإِنْسَانِيَّةِ لَا يُتَقَرَّبُ بِهِمْ إِلَىٰ اللَّهِ، أَمَا تَرَىٰ لَوْ كَانَتِ البَهَائِمُ خَلْقًا مَخْلُوقًا بِلَا ذَنْبٍ وَلَا جُرْمٍ وَلَا مَعْصِيَةٍ وَلَا كُفْرٍ، وَالكَافِرُ قَدْ عَصَىٰ اللَّهَ وَكَفَرَ بِهِ، لَكَانَتِ البَهَائِمُ خَيْرًا مِنَ الكُفَّارِ، فَكَانَ يَنْبَغِي لِلأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ أَنْ تُفْهِمَ الكُفَّارَ فَيَنْهَوْهُمْ عَنْهَا وَيُحِلُّوهَا لِلمُؤْمِنِينَ إِذْ كَانَتْ خَيْرًا مِنَ الكَافِرِينَ، لِأَنَّ الكَافِرَ يَضُرُّ المُؤْمِنَ وَيَكْذِبُ عَلَىٰ اللَّهِ وَيَشْتِمُ أَوْلِيَاءَهُ، وَالبَهَائِمَ لَا تَضُرُّ مُؤْمِنًا وَلَا كَافِرًا، وَلَا تَشْتِمُ اللَّهَ وَلَا أَوْلِيَاءَهُ، وَلَا تَكْفُرُ بِهِ، فَتَكُونُ تِلْكَ البَهَائِمُ قَدْ سَبَقَ مِنْهَا الكُفْرُ وَالمُعَانَدَةُ وَهِيَ فِي الصُّورَةِ الإِنْسَانِيَّةِ، وَالإِنْسَانُ الكَافِرُ لَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَىٰ اللَّهِ لِظُهُورِ اللَّهِ بِالصُّورَةِ الإِنْسَانِيَّةِ.




