أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ الدُّنْيَا لَيْسَتْ لَكُمْ بِدَارٍ، وَلَا مَحَلِّ قَرَارٍ، وَإِنَّمَا أَنْتُمْ فِيهَا كَرَكْبٍ عَرَّسُوا فَأَنَاخُوا، ثُمَّ اسْتَقَلُّوا فَغَدَوْا وَرَاحُوا، دَخَلُوا خِفَافًا وَرَاحُوا خِفَافًا، لَمْ يَجِدُوا عَمَّا مَضَىٰ نُزُوعًا، وَلَا إِلَىٰ مَا تَرَكُوا رُجُوعًا جُدَّ بِهِمْ فَجَدُّوا، وَرَكَنُوا إِلَىٰ الدُّنْيَا فَمَا اسْتَعَدُّوا، حَتَّىٰ أُخِذَ بِكَظْمِهِمْ، وَخَلَصُوا إِلَىٰ دَارِ قَوْمٍ جَفَّتْ أَقْلَامُهُمْ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْ أَكْثَرِهِمْ خَبَرٌ وَلَا أَثَرٌ، قَلَّ فِي الدُّنْيَا لَبْثُهُمْ، وَعُجِّلَ إِلَىٰ الْآخِرَةِ بَعْثُهُمْ، فَأَصْبَحْتُمْ حُلُولًا فِي دِيَارِهِمْ، ظَاعِنِينَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ، وَالْمَطَايَا تَسِيرُ بِكُمْ سَيْرًا، مَا فِيهِ أَيْنٌ وَلَا تَفْتِيرٌ، نَهَارُكُمْ بِأَنْفُسِكُمْ دَؤُوبٌ، وَلَيْلُكُمْ بِأَرْوَاحِكُمْ ذَهُوبٌ فَأَصْبَحْتُمْ تَحُلُّونَ مِنْ حَالِهِمْ حَالًا، وَتَحْتَذُونَ مِنْ مَسْلَكِهِمْ مِثَالًا، فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ، فَإِنَّمَا أَنْتُمْ فِيهَا سَفْرٌ حُلُولٌ، وَالْمَوْتُ بِكُمْ نُزُولٌ تَنْتَضِلُ فِيكُمْ مَنَايَاهُ، وَتَمْضِي بِأَخْبَارِكُمْ مَطَايَاهُ، إِلَىٰ دَارِ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ وَالْجَزَاءِ وَالْحِسَابِ، فَرَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا رَاقَبَ رَبَّهُ، وَخَافَ ذَنْبَهُ كَابَرَ هَوَاهُ، وَكَذَّبَ مُنَاهُ، وَرَحِمَ اللَّهُ امْرَأً زَمَّ نَفْسَهُ مِنَ التَّقْوَىٰ بِزِمَامٍ، وَأَلْجَمَهَا مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهَا بِلِجَامٍ، فَقَادَهَا إِلَىٰ الطَّاعَةِ بِزِمَامِهَا، وَكَبَحَهَا عَنِ الْمَعْصِيَةِ بِلِجَامِهَا رَافِعًا إِلَىٰ الْمَعَادِ طَرْفِهُ، مُتَوَقِّعًا فِي كُلِّ آنٍ حَتْفِهُ، رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً جَعَلَ الصَّبْرَ مَطِيَّةَ نَجَاتِهِ، وَالتَّقْوَىٰ عُدَّةَ وَفَاتِهِ، وَدَوَاءَ أَدْوَائِهِ، فَاعْتَبَرَ وَقَاسَ، وَتَرَكَ الدُّنْيَا وَالنَّاسَ جَعَلَ اللَّهُ الْعَاقِبَةَ لِلتَّقْوَىٰ، وَالْجَنَّةَ لِأَهْلِهَا مَأْوًىٰ، دُعَاؤُهُمْ فِيهَا أَحْسَنُ الدُّعَاءِ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ دُعَاؤُهُمُ الْمَوْلِي عَلَىٰ مَا آتَاهُمْ: وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.




