فَإِنْ قَالَ: "كُلُّ صُورَةٍ مَخْلُوقَةٌ، فَكَيْفَ يَظْهَرُ بِمَخْلُوقٍ وَهُوَ لَا يَظْهَرُ إِلَّا بِذَاتِهِ، وَنَحْنُ وَأَنْتُمْ نقُولُ: إِنَّ الْخَالِقَ غَيْرُ الْمَخْلُوقِ، وَالصُّورَةَ غَيْرُ الْمُصَوَّرِ، وَالْمِثَالَ غَيْرُ الْمُمَثَّلِ، وَالِاسْمَ غَيْرُ الْمُسَمَّىٰ، وَالرَّسُولَ غَيْرُ الْمُرْسَلِ؟"، قُلْنَا لَهُ: "إِنَّ تِلْكَ الصُّورَةَ الْمَرْئِيَّةَ الَّتِي يَظْهَرُ بِهَا لَيْسَتْ بِمَخْلُوقَةٍ، وَلَوْ قُلْنَا إِنَّهَا مَخْلُوقَةٌ وَالْمَعْنَىٰ مِنْ دُونِهَا لَكُنَّا وَسَائِرَ الْخَلْقِ فِي هَذَا الْقَوْلِ سَوَاءٌ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ تِلْكَ الصُّورَةَ لَمْ تَكُنْ فِي الدُّنْيَا وَلَمْ تُخْلَقْ، وَإِنَّ تِلْكَ الصُّورَةَ كَانَتْ كَسَائِرِ الصُّوَرِ وَالْخَلْقِ"، قَالَ: "فَإِذَا أَجَبْنَاكَ إِنَّ تِلْكَ الصُّورَةَ الْأَنْزَعَ الْبَطِينَ الرَّبْعِ مِنَ الرِّجَالِ الْأَصْلَعِ الرَّحْبِ الْبِلْجَةِ الْخَادِرِ الْعَيْنَيْنِ الصَّخْمِ الدَّسِيعَةِ الْعَبْلِ الذِّرَاعَيْنِ، الْبَعِيدِ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ الْأَحْمَشِ السَّاقَيْنِ، هِيَ صُورَتُهُ، أَهِيَ هُوَ؟ أَمْ هِيَ غَيْرُهُ؟"، قُلْنَا لَهُ: "إِنْ قُلْنَا إِنَّهَا مَخْلُوقَةٌ كُنَّا كَسَائِرِ الْخَلْقِ مِنَ الْأَضْدَادِ وَالشُّرَاةِ الَّذِينَ يَلْعَنُونَهُ وَيَتَبَرَّؤُونَ مِنْهُ، وَالنَّاصِبَةِ الَّذِينَ يُقَدِّمُونَ عَلَيْهِ غَيْرَهُ، وَهُمْ لَا يَشُكُّونَ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ مِثْلَهُمْ وَلَكِنَّنَا نَقُولُ: إِنَّ تِلْكَ الصُّورَةَ الْمَرْئِيَّةَ هِيَ هُوَ إِثْبَاتًا وَإِيجَادًا وَعِيَانًا وَبَيَانًا وَيَقِينًا لَا هُوَ هِيَ جَمْعًا وَلَا كُلًّا وَلَا إِحَاطَةً وَلَا حَصْرًا"، قَالَ: "فَمَا تَقُولُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَىٰ: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ وَقَدْ كَانَتْ تِلْكَ الصُّورَةُ مُدْرَكَةً مُعَايَنَةً؟"، قُلْنَا لَهُ: "إِنَّ الْإِدْرَاكَ هُوَ الْإِحَاطَةُ وَلَيْسَ الْإِدْرَاكُ هُوَ الْعِيَانَ وَالْوُجُودُ وَقَوْلُهُ: "يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ" أَيْ يُعَايِنُ أَبْصَارَ الْخَلْقِ جَمِيعًا بِغَيْرِ فَوَاتِ شَيْءٍ مِنْهَا، وَلَا يَعْزُبُ عَنْهُ كَوْنُهَا، لِأَنَّهُ مُكَوِّنُهَا، وَمُكَوِّنُ الْمَكَانِ لَهَا،




