نَقُولُ: إِنَّ لِكُلِّ مَادَّةٍ زَوَالًا وَتَحَوُّلًا، وَأَبْدَانُ المُؤْمِنِينَ مِنَ الأَدِيمِ، فَعِنْدَ صَفَاءِ أَرْوَاحِهِمْ وَانْتِقَالِهَا إِلَىٰ المَلَكُوتِ الأَعْلَىٰ، تَبْقَىٰ أَبْدَانُهُمْ فِي هَذَا العَالَمِ المَادِّيِّ الكَثِيفِ، وَتَتَحَوَّلُ إِلَىٰ مَنَابِتَ زَكِيَّةٍ وَرَيَاحِينَ طَيِّبَةٍ مِنْهَا البَخُورُ فَيُحْرَقُ عَلَىٰ النَّارِ، وَعِنْدَ الاِحْتِرَاقِ تَتَصَاعَدُ مِنْهُ الرَّائِحَةُ الطَّيِّبَةُ الزَّكِيَّةُ فَتُشَمُّ رَائِحَتُهُ لِيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا مُوجِبًا لِلصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيمِ عَلَىٰ أَشْخَاصِ الرِّيَاحِينِ النُّورَانِيَّةِ، وَتَذْكِيرًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِطَهَارَةِ أَفْعَالِ أَجْسَادِهِمْ، وَإِنَّ مَا بَقِيَ مِنْ آثَارِ ذَلِكَ البَخُورِ بَعْدَ تَصَاعُدِ الرَّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ فَهُوَ دَلَالَةٌ عَلَىٰ مَا بَقِيَ فِي أَجْسَادِهِمْ مِنَ الشَّوَائِبِ المَادِّيَّةِ، وَلَوِ احْتَرَقَ البَخُورُ وَصَارَ كُلُّهُ دُخَانًا، إِذَنْ لَصَفَتْ أَبْدَانُ المُؤْمِنِينَ كَأَرْوَاحِهِمْ، وَقَدِ اخْتِيرَ البَخُورُ دُونَ غَيْرِهِ لِأَنَّ طِيبَهُ مَثَلٌ عَلَىٰ الطِّيبِ الَّذِي أَظْهَرَهُ السَّيِّدُ المَسِيحُ مِنْ مَعْرِفَةِ مَعْنَاهُ تَعَالَىٰ ذِكْرُهُ كَمَا ذَكَرْنَا آنِفًا عَنِ الجِلِّيِّ قَدَّسَهُ اللَّهُ وَالبَخُورُ هُوَ الوَحِيدُ بَيْنَ الرَّيَاحِينِ الَّذِي يَعْبَقُ الطِّيبُ بِهِ إِذَا أَحْرَقْتَهُ، وَاللَّهُ الهَادِي إِلَىٰ الصَّوَابِ.




