مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

نَهْجُ الْبَلَاغَةِ - الشَّرِيفُ الرَّضِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 8 من 719

وإن «نهج البلاغة» ليضم إلى جانب الموضوعات السابقة طائفة من خطب الوصف تبوىء عليا ذروة لا تسامى بين عباقرة الوصّافين في القديم والحديث. ذلك بأن عليا كما تنطق نصوص «النهج» قد استخدم الوصف في مواطن كثيرة. ولم تكد خطبة من خطبه تخلو من وصف دقيق ، وتحليل نفاذ إلى بواطن الأمور : صور الحياة فأبدع ، وشخص الموت فأجزع ، ورسم لمشاهد الآخرة لوحات كاملات فأراع وأرهب ، ووازن بين طبائع الرجال وأخلاق النساء ، وقد للمنافقين «نماذج» شاخصة وللأبرار أنماطا حية ولم يفلت من ريشته المصورة شيطان رجيم يوسوس في صدور الناس ، ولا ملك رحيم يوحي الخبر ويلهم الرشاد.

على أن المهم في أدب الإمام عليه السّلام تصويره الحسيات ، وتدقيقه في تناول الجزئيات : وقد اشتمل كلامه على أوصاف عجيبة لبعض المخلوقات حملت روعتها ودقة تصويرها بعض النقاد على الارتياب في عزوها إلى أمير المؤمنين ، كما في تصويره البارع للنملة والجرادة ولا سيما للطاووس. ولا بد من تحقيق هذا الأمر في غير هذه المقدمة العجلي ، وهو ما نسأل الله التوفيق لبيانه في كتاب مستقل اكتملت بين أيدينا معالمه ، وسنصدره قريبا بعون الله.

أما النملة فقد وصف منها صغرها وحقارة أمرها ، مشيدا بدقتها وحسن تصرفها ، مسترسلا مع وصفه بأنفاسه الطوال ، وأنغامه العذاب ، وأخيلته الحصاب : إن النملة في صغر جستها ولطافة هيئتها ، لا تكاد تنال بلحظ البصر ، ولا بمستدرك الفكر ، وإنها تدب على الأرض دبيبا ، تنصب على الرزق انصبابا ، وتنقل الحب إلى جحرها ، جامعة في حرها لبردها ، وفي وردها لصدرها ، ولا يفوت عليا أن يصف لنا من النملة شراسيفها وغضاريفها وأطراف أضلاعها المشرفة على بطنها ، وما في رأسها من عينها وأذنها ، ثم يسوقنا إلى التفكير بعظمة الحالق الذي خلقها ، ولم يعنه على خلقها قادر ، وفطرها ولم يشركه في فطرتها فاطر!

وأما الجرادة الإمام دقيق أجزائها ، ورهيف حواسها ، وجامع نزواتها ، ويتمهل وهو يصف حمرة عينيها ، وضياء حدقتيها ، وخفاء سمعها ، واستواء فمها ، وقوة حسها.ويتوقف قليلا عند نابيها اللذين بهما تفرض ، ومنجليها اللذين بهما تفيض ، ويعجب

الصفحة 8 من 719