مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مَكَارِمُ الْأَخْلَاقِ - الْحَسَنُ بْنُ الْفَضْلِ الطَّبْرَسِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 445 من 474

إلا خمسين عاماً يدعو إلى الله ، فكان إذا أصبح قال : لا امسي . وإذا أمسى قال : لا اصبح ، وكان لباسه الشعر وطعامه الشعير . وإن شئت نبأتك بأمر داود عليه السّلام خليفة الله في الأرض ، كان لباسه الشعر وطعامه الشعير . وإن شئت نبأتك بأمر سليمان عليه السّلام مع ما كان فيه من الملك ، كان يأكل الشعير ويُطعم الناس الحوّاري (1) ، وكان لباسه الشعر ، وكان إذا جنَّه الليل شدَّ يده إلى عنقه فلا يزال قائماً يصلي حتى يصبح . وإن شئت نبأتك بأمر إبراهيم خليل الرحمن عليه السّلام ، كان لباسه الصوف وطعامه الشعير . وإن شئت نبأتك بأمر يحيى عليه السّلام ، كان لباسه الليف وكان يأكل ورق الشجر . وإن شئت نبأتك بأمر عيسى بن مريم عليه السّلام فهو العجب ، كان يقول : إدامي الجوع وشعاري الخوف ولباسي الصوف ودابتي رجلاي وسراجي بالليل القمر واصطلائي في الشتاء مشارق الشمس وفاكهتي وريحانتي بَقول الأرض مما يأكل الوحوش والأنعام ، أبيت وليس لي شيء وأُصبح وليس لي شيء وليس على وجه الأرض أحد أغنى مني .

يا ابن مسعود : كل هذا منهم يبغضون ما أبغض الله ويصغرون ما صغر الله ويزهدون ما أزهد الله وقد أثنى الله عليهم في محكم كتابه ، فقال لنوح عليه السّلام : « إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا » . وقال لإبراهيم عليه السّلام : « وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا » . وقال لداود عليه السّلام : « إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ » وقال لموسى عليه السّلام : « وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا » . وقال أيضاً لموسى عليه السّلام : « وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا » . وقال ليحيى عليه السّلام : « وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا » . وقال لعيسى عليه السّلام : « يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا » الى قوله « وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي » . وقال : « إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ » .

يا ابن مسعود : كل ذلك لما خوفهم الله في كتابه من قوله : « وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ ، ‏لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ » . وقال تعالى : « وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ » .

يا ابن مسعود : النار لمن ركب محرماً والجنة لمن ترك الحلال ، فعليك بالزهد فإن ذلك مما يباهي الله به الملائكة وبه يقبل الله عليك بوجهه ويصلي عليك الجبار .

____________________

(1) الحواري بالضم فالتشديد : الدقيق الأبيض .

الصفحة 445 من 474