مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مَعَانِي الْأَخْبَارِ - الشَّيْخُ الصَّدُوقُ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 84 من 414

فيه بالتقوى ، متواضعين ، يوقرون الكبير ، ويرحمون الصغير ، ويؤثرون ذا الحاجة ، و يحفظون الغريب. فقلت : فكيف كان سيرته في جلسائه؟ فقال : كان دائم البشر (1) ، سهل الخلق ، لين الجانب ، ليس بفظ ، (2) ولا غليظ ، ولا صخاب (3) ، ولا فحاش ، ولا عياب ولا مداح ، يتغافل عما لا يشتهي ، فلا يؤيس منه ، ولا يخيب فيه مؤمليه ، قد ترك نفسه من ثلاث : المراء ، والاكثار ، وما لا يعنيه ، وترك الناس من ثلاث : كان لا يذم أحدا ، ولا يعيره (4) ، ولا يطلب عثراته ولا عورته. ولا يتكلم إلا في ما رجا ثوابه إذا تكلم أطرق (5) جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير ، فإذا سكت تكلموا ، ولا يتنازعون عنده الحديث ، من تكلم أنصتوا له حتى يفرغ ، حديثهم عنده حديث أولهم ، يضحك مما يضحكون منه ، ويتعجب مما يتعجبون منه ، ويصبر للغريب على الجفوة في مسألته ومنطقه حتى أن كان أصحابه ليستجلبونهم ، ويقول : إذا رأيتم طالب الحاجة يطلبها فارفدوه (6) ، ولا يقبل الثناء إلا من مكافئ ، ولا يقطع على أحد كلامه حتى يجوز فيقطعه بنهي أو قيام.

قال : فسألته عن سكوت رسول الله صلّى الله عليه وآله. قال : كان سكوته على أربع : على الحلم والحذر ، والتقدير ، والتفكر (7). فأما التقدير ففي تسوية النظر والاستماع بين الناس وأما تفكره ففيما يبقى أو يفنى ، وجمع له الحلم في الصبر ، فكان لا يغضبه شئ ولا يستفزه وجمع له الحذر في أربع ، أخذه بالحسن ليقتدى به ، وتركه القبيح لينتهى عنه ، واجتهاده الرأي في صلاح أمته ، والقيام فيما جمع لهم من خير الدنيا والآخرة. هذا آخر ما رواه عبدان.

__________________

(1) البشر بالكسر بشاشة الوجه.

(2) الفظ : الغليظ السيئ الخلق الخشن الكلام.

(3) الصخاب : الشديد الصياح.

(4) عيره تعييرا : نسبه إلى العار وقبح عليه فعله.

(5) أطرق الرجل : سكت وجعل ينظر إلى الأرض.

(6) رفده : أعطاه.

(7) في بعض النسخ [ التفكير ].

الصفحة 84 من 414