مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

التَّوْحِيدُ - الشَّيْخُ الصَّدُوقُ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 384 من 461

الأرض ، عرضه ما بين المشرق والمغرب ، أسود كالليل الدامس ، كثير الحيات والحيتان ، يعلو مرة ويسفل أخرى ، في قعره شمس تضيئ ، لا ينبغي أن يطلع إليها إلا الله الواحد الفرد ، فمن تطلع إليها فقد ضاد الله عزوجل في حكمه ونازعه في سلطانه ، وكشف عن ستره وسره ، وباء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير.

قال المصنف هذا الكتاب نقول : إن الله تبارك وتعالى قد قضى جميع أعمال العباد وقدرها وجميع ما يكون في العالم من خير وشر ، والقضاء قد يكون بمعنى الأعلام كما قال الله عزوجل : ( وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب ) (1) يريد أعلمناهم ، وكما قال الله عزوجل : ( وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين ) (2) يريد أخبرناه وأعلمناه ، فلا ينكر أن يكون الله عزوجل يقضي أعمال العباد وسائر ما يكون من خير وشر على هذا المعنى لأن الله عزوجل عالم بها أجمع. ويصح أن يعلمها عباده ويخبرهم عنها ، وقد يكون القدر أيضا في معنى الكتاب والإخبار كما قال الله عزوجل : ( إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين ) (3) يعني كتبنا وأخبرنا ، وقال العجاج :

واعلم بأن ذا الجلال قد قدر  

في الصحف الأولى التي كان سطر  

و ( قدر ) معناه كتب.

وقد يكون القضاء بمعنى الحكم والالزام ، قال الله عزوجل ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا ) (4) يريد حكم بذلك وألزمه خلقه ، فقد يجوز أن يقال : إن الله عزوجل قد قضى من أعمال العباد على هذا المعنى ما قد ألزمه عباده وحكم به عليهم وهي الفرائض دون غيرها ، وقد يجوز أيضا أن يقدر الله أعمال العباد بأن يبين مقاديرها وأحوالها من حسن وقبح وفرض ونافلة وغير ذلك ، ويفعل من الأدلة على ذلك ما يعرف به هذه الأحوال لهذه الأفعال فيكون عزوجل مقدرا لها في الحقيقة ، وليس يقدرها ليعرف مقدارها ،

__________________

1 الإسراء : 4.

2 الحجر : 66.

3 الحجر : 60.

4 الإسراء : 23.

الصفحة 384 من 461