مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

التَّمْحِيصُ - مُحَمَّدُ بْنُ هَمَّامٍ الْإِسْكَافِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 5 من 75

ذنوب شيعتنا في الدنيا بمحنتهم ، لتسلم بها طاعاتهم ويستحقّوا عليها ثوابها » (1).

وقال أيضاً : « ولكنّ الله يختبر عباده بأنواع الشدائد ، ويتعبّدهم بأنواع المجاهد ، ويبتليهم بضروب المكاره ، إخراجاً للتكبر من قلوبهم ، وإسكاناً للتذلّل في نفوسهم ، وليجعل ذلك أبواباً إلى فضله » (2).

ولهذا استخلص الجليل سبحانه المؤمنين للآخرة ، واختار لهم الجزيل ممّا لديه من النعيم المقيم ، الذي لا زوال له ولا اضمحلال ، لصبرهم على البلاء ، ورضاهم بالقضاء ، وشكرهم النعماء ، إذ أنّ الصبر أوّل درجات الإيمان ، فإذا ترقّى العبد في إيمانه بلغ منزلة الرضا بالقضاء ، وإذا ازداد في سلّم الإيمان عُلوّاً وسموّاً وصعوداً ، أصبح شاكراً لربّه على البلاء.

فالأولياء الصالحون لن يكونوا مؤمنين إلاّ كما وصفهم الإمام الكاظم عليه السّلام مخاطباً : « حتّى تعدّوا البلاء نعمة ، والرخاء مصيبة ، وذلك أنّ الصبر عند البلاء أعظم من الغفلة عند الرخاء » (3).

وهذه منزلة مَن خَبَرَ الدنيا وعرف أحوالها ، فعلم أنها سوق ، ربح فيها قوم يبتغون فيما آتاهم الله الدار الآخرة ، وخسر آخرون ممّن كانوا « يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون » (4) ف‍ « لما الدنيا والآخرة إلاّ ككفّتي ميزان ، فأيّهما رجح ذهب بالآخر » (5) أو كما جاء عن الهداة عليهم السّلام « إنّ الدنيا والآخرة عدوّان متفاوتان ، وسبيلان مختلفان فمن أحبّ الدنيا وتولاها أبغض الآخرة وعاداها ، وهما بمنزلة المشرق والمغرب .. كلّما قرب من واحد بعد عن الآخر » (6) فلا يستقيم حبّهما في قلب مؤمن كما لا يستقيم الماء والنار في إناء واحد.

ولهذا كان الإمام الباقر عليه السّلام يدعو بهذا الدعاء : « ولا تجعل الدنيا عليَّ سجناً ، ولا تجعل فراقها عليَّ حزناً » (7).

فكان الأئمّة الميامين سلام الله عليهم أجمعين ، دائماً يرشدونا بهديهم وسنّتهم وأقوالهم وأفعالهم لواضح الطريق لئلا نزل بأوزار المسير ، فنسقط في رمضاء الهجير

__________________

(1) البحار 67 / 232 ح 48. (2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 13 / 157.

(3) البحار 67 / 237 ، ج 82 / 145 ح 30 وفيه ( أفضل من الغفلة ).

(4) الروم 30 / 7.

(5) البحار 73 / 92 ح 69.

(6) البحار 73 / 129 ح 133.

(7) البحار 97 / 379.

الصفحة 5 من 75