مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

الْأَمَانُ مِنْ أَخْطَارِ الْأَسْفَارِ وَالْأَزْمَانِ - عَلِيُّ بْنُ مُوسَى بْنِ طَاوُوسٍ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 57 من 198

الكتاب : وحيث قد ذكرنا ما يصحب في سفره من الطعام ، فلنذكر ما يحضرنا ويتهيأ ذكره من الآداب المتعلقة بالأكل ، بحسب مايهدينا إليه واهب الألباب ، فنقول : إن الطعام ما يحضر بين يدي الانسان ، الا بعد أن يولي الله جل جلاله بيد قدرته وحكمته ورحمته وداعيته واختياره وإرادته ، إنشاء السماوات والأرضين والبحار والأنهار والغيوث والغيوم والامطار ، وفصول الصيف وألشتاء والربيع والخريف ، وما فيها من المنافع والأسرار (1) ، ويستخدم في ذلك من يختص بهذه المصالح من الملائكة ، ومن يقوم بتدبير اخلائق من الأنبياء والأوصياء ، والرعايا والولاة ، وأصحاب الصنائع والأكرة (2) والحدادين والنجارين ، والدواب التي يحتاج إليها لهذه الأسباب ، ومن يقوم بمصالح ذلك ومهماته ، من ابتدائه إلى حين طحنه وخبزه وحمله إلى بين يدي من يأكله أوقات حاجاته ، فالمنة فيه لله جل جلاله أعظم من (المؤنة على مائدة) (3) بني إسرائيل ، فيجب أن يكون العبد (4) عارفا وذاكرا وشاكرا لهذا الإنعام الجزيل الجليل ، وجالسا عند أكله بين يدي الله جل جلاله ليأكل من طبق ضيافته ، كما يجلس العبد بين يدي سلطان ، قدعمل له طعاماً ، واستخدم فيه نفسه وخواصه ، ومن يحتاج إليه من أهل دولته ، والسلطان ناظرإلى الذي يأكل ، كيف شكره لنعمته؟ وكيف حفظه لحضور السلطان وحرمته؟ وكيف يتأدب في جلوسه بين يديه؟ وكيف يقصد بأكل الطعام ما يريد به السلطان مما يقر به إليه؟

أقول : ثم يكون العبد ذاكراً وشا كراً أنه إذأ أكل الطعام ، أنه لولا ما وهبه الله جل جلاله من الجوارح التي تعينه على حمله واكله ومضغه ، والريق الذي يأتي بقدر حاجته ، من غير زيادة على اللقمة ، فكانت الزيادة تجري من فمه ، ولا نقيصة فكانت اللقمة تكون يابسة أو غير ناعمة.

أقول : وليكن ذاكراً وشاكراً أنه إذا صار الطعام في معدته ، فإنّ الله

__________________ (1) في «ش» : والمضار.

(2) الأكرة : جمع أكار ، وهو الفلاح. «القاموس المحيط أكر 1 : 365».

(3) كذا في النسخ ، ولعل الأنسب : المنة في مائدة.

(4) في «ش» : الانسان.

الصفحة 57 من 198