الفصل السادس : فيما نذكره من زيادة السعادة والسلامة ، بما يقوله عند النوم في سفره ليظفر بالعناية التامة.
حيث قد ذكرنا نوم المسافر ، وأنه يبقى هو وما (1) معه محتاجاً إلى حافظ لا ينام قادر قاهر ، فلنذكر ما يحضرنا في ذلك إن شاء الله تعالى ، فنذكر بعض ما ذكرناه في كتاب (فلاح السائل ونجاح المسائل) عند النوم ، فنقول : إن النوم موت اليقظة ، ووفاة الجوارح عن حياة الاستقامة ، قال الله جل جلاله : ( وهو الذي يتوفّاكم باللّيل ويعلم ما جرحتم بالنهارثمّ يبعثكم فيه ) (2) فجعل جل جلاله النوم وفاة ، واليقظة بعثاً وحياة ، وقد عرفت أن النائم يصير كالأعمى والأصم والأخرس والزمن (3) والمرطوب (4) ، ويضيع منه الانتفاع بعقله فيما يقربه إلى علام الغيوب ، وكأنه إذا نام قد ضيع عياله وأمواله وحوائجه ومهماته وضروراته ، وما بقي له قدرة على حفظ شيء مما كان يحفظه باليقظة من مطلوباته ومراداته ، ولو أحرزها بالأقفال وما يجري مجراها من الاحتيال ، فإنه إذا نام أمكن فيها وقوع ما لا يريد على كل حال ، فكان الإنسان إذا نام قد اصيب مصائب هائلة ، ووقع تحت أخطار ذاهلة ، وما بقي يقدر على جمع شمله باليقظة على السلامة ، وبجوارحه على الاستقامة ، ويحفظ له مهماته على الإرادة التامة ، إلا الله جل جلاله (5).
أقول : فينبغي أن يتوب من كل مايقتضي غضبه عليه ، فإن لم توافقه نفسه على التوبة ، وكان مصراً قد غلبت القساوة عليه ، فيسأل الله جل جلاله العفو عنه ، فإن مصانعته لله جل جلاله عند نومه أمر لا بد منه ، فإنه إذا كان الله جل جلاله غضباناً عليه ، وهو مهون بغضبه وغير ملتفت إليه ، فقد أعان على هلاك مهجته ، وكل ما يعز عليه
__________________ (1) في «ش» : ومن.
(2) الأنعام 6 : 60.
(3) الزمن : المريض الدائم المرض. أنظر «الصحاح زمن 5 : 2131».
(4) المرطوب : صاحب الرطوبة. «مجمع البحرين رطب 2 : 70».
(5) فلاح السائل : 271 باختلاف في ألفاظه.




