مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

أَعْلَامُ الدِّينِ فِي صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ - الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ الدَّيْلَمِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 462 من 464

إعلموا أيّها الإخوان المكرمون أنّ من نصب كلامه لتأمل طبقات الناس ظنّاً برفع نفسه عليهم فقد خاطر ، إذا التواضع به أليق ، والإعتراف منه بالتقصير أوفق ، والمرء يُعرف بكلامه ، ولسانه ترجمان عقله ، وأفضل النّاس عندهم من لا يدّعي الكمال لنفسه ، ولا يظنّ سلامته من خطاه ، لأنّ الخطأ في النّاس أكثر من الصواب ، والجهل أغلب في الهوى ، والعاقل يرى أنّ فوق علمه علماً فيتواضع لتلك الزيادة ، والجاهل يرى أنّ علمه فوق علم غيره فيتكبّر فيمقته الله والناس ، وإنّ أحسن الناس حالاً من عرف قدره ، وإن كان مع ذلك لا يعدم كاشحاً يقبح إحسانه ، ورب قول سليم قد أسقمه متأوّله ، وزلل خفي أظهره متأمّله.

فقد قال أمير المؤمنين عليه السّلام : « الأقاويل محفوظة ، والسرائر مبْلوَّة ، وكل نفس بما كسبت رهينة والناس منقوصون مدخولون إلاّ من عصم الله ، قائلهم باغ ، ومستمعهم عائب ، وسائلهم متعنّت ، ومجيبهم متكلّف ، يكاد أفضلهم رأياً أن يردّه عن رأيه الرضا والغضب ، ويكاد أصلبهم عوداً أن تنكأه اللحظة ، وتستحرّه الكلمة » (1).

فاختر لنفسك في لحظك ولفظك ، وتدبّر وانتقد ما تبديه من قولك وفعلك ، واحذر عثرات قلمك ، كما تحذر عثرات قدمك ، فهي أعظم وصمة من زلات كلمك ، لأنّ الخط ينقل ويبقى والكلام يذهب ويُنسى ، وإن جهل الكتاب أثبت من جهل اللّسان وإن كان أكثر خطاً ، لا تثبت به الحجّة على صاحبه كما تثبت بخطه ، فاحذره.

واحذر معه آفة الخلوة وبوائق الوحدة ، فإنهما يورثانك الثقة بنفسك ، والإسترسال إلى رأيك.

وإذا شككت فاسأل وتبيّن ، وظنّ عند كلّ خاطر أنّ غيرك أقوم بتفصيله منك ، ليحثك ذلك على السؤال وأنّهم إذا نظروا فيه نظر من لا يبسط عذرك ولا يحب رشدك فيعيبوه ، وأنت إذا نظرت فيه نظرت بعين وامقة وأذن عاشقة ، فتلقيّته بنفس قابلة وطبيعة جاذبة ، لأنه من لفظك وبكر فطنتك ، ومنك صدر وإليك يُنسب ، وهو فرع أنت أصله ، وحادث أنت أوله ، فشفيعه هواك ، فاحذره فهو موطئ زلق ، والتحفظ منه شديد ، ومعناه غامض ، وأمره خفي ، فاستعن عليه بالعقل والسؤال ، ليتحقق لك الحق ، ويظهر لك فيه الصدق ، فإنّ من أُعطي النصفة من نفسه ، والتحفّظ من الزلل ، واستعمل

__________________

1 نهج البلاغة : 535 / 343 ، باختلاف يسير.

الصفحة 462 من 464