فَقَالَ لَهُ النَّصْرَانِيُّ : إِنِّي (1) أَتَيْتُكَ مِنْ بَلَدٍ بَعِيدٍ ، وسَفَرٍ شَاقٍّ ، وسَأَلْتُ (2) رَبِّي مُنْذُ ثَلَاثِينَ سَنَةً أَنْ يُرْشِدَنِي إِلى خَيْرِ الْأَدْيَانِ ، وإِلى خَيْرِ الْعِبَادِ وأَعْلَمِهِمْ ، وأَتَانِي (3) آتٍ فِي النَّوْمِ ، فَوَصَفَ لِي رَجُلاً بِعُلْيَا (4) دِمَشْقَ ، فَانْطَلَقْتُ حَتّى أَتَيْتُهُ ، فَكَلَّمْتُهُ ، فَقَالَ : أَنَا أَعْلَمُ أَهْلِ دِينِي ، وغَيْرِي أَعْلَمُ مِنِّي ، فَقُلْتُ : أَرْشِدْنِي إِلى مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ ؛ فَإِنِّي لَا أَسْتَعْظِمُ السَّفَرَ ، ولَاتَبْعُدُ عَلَيَّ الشُّقَّةُ (5) ، ولَقَدْ قَرَأْتُ الْإِنْجِيلَ كُلَّهَا ومَزَامِيرَ (6) دَاوُدَ ، وَقَرَأْتُ أَرْبَعَةَ أَسْفَارٍ مِنَ التَّوْرَاةِ ، وقَرَأْتُ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ حَتَّى اسْتَوْعَبْتُهُ (7) كُلَّهُ ، فَقَالَ لِيَ الْعَالِمُ : إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ عِلْمَ النَّصْرَانِيَّةِ ، فَأَنَا أَعْلَمُ الْعَرَبِ والْعَجَمِ بِهَا ، وإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ عِلْمَ الْيَهُودِ ، فَبَاطِي بْنُ شُرَحْبِيلَ (8) السَّامِرِيُّ (9) أَعْلَمُ النَّاسِ بِهَا الْيَوْمَ ، وإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ عِلْمَ
__________________
(1) هكذا في النسخ التي قوبلت والوافي والبحار ، ج 48. وفي المطبوع : « إنّي ».
(2) في « بس » : « ساءلت ».
(3) في « ف » : « فأتاني ».
(4) في الوافي : « بعلياء ».
(5) في حاشية « ج » : « المشقّة ». و « الشُقَّةُ » و « الشِقَّةُ » : الناحيةُ التي تلحقك المشقّة في الوصول إليها. والطريقُ يشقّعلى سالكه قطعه ، أي يشتدّ عليه. والمسافةُ البعيدة. والسفرُ البعيد والطويل. راجع : المفردات للراغب ، ص 459 ؛ المغرب ، ص 255 ؛ لسان العرب ، ج 10 ، ص 184 ( شقق ).
(6) في « ج ، ف » وحاشة « ب » وشرح المازندراني : « مزابير ». قال المازندراني : « المزابير : جمع المزبور ، وهو العلم. والمراد به كتاب داود عليه السّلام. أو جمع المِزْبَرة ، وهو مفعل من زبر الكتاب زَبْراً وزِبارة ، وهو إتقان الكتاب. والزِبْر بلسان اليمن الكتاب ، والمراد به أيضاً ما ذكر ». وقوله : « المَزامِيرُ ». جمع المِزْمار والمزمُور بفتح الميم وضمّها وهي الآلة التي يُزْمَرُ بها ؛ من الزَمْر ، وهو التغنية بالنفخ في القصب ونحوه. ومزامير داود عليه السّلام : ما كان يتغنىّ به من الزَبُور وضروب الدعاء ، ضرب المزامير مثلاً لحسن صوته وحلاوة نغمته. وشبّها بصوت المِزْمار كأنّ في حلقه مزامير يَزْمَرُ بها. راجع : الفائق ، ج 2 ، ص 123 ؛ النهاية ، ج 2 ، ص 312 ؛ لسان العرب ، ج 4 ، ص 327 ( زمر ).
(7) في « ج ، بح » : « استوعيته ».
(8) في شرح المازندراني : « شرجيل ». وفي البحار ، ج 48 : « شراحيل ».
(9) « السامريّ » : نسبة إلى السامرة ، وهي بلدة بين الحرمين ، أو فرقة من اليهود تخالفهم في أكثر الأحكام. وقيل : نسبة إلى قبيلة من بني إسرائيل يقال لها : سامر. راجع : المصباح المنير ، ص 288 ؛ القاموس المحيط ، ج 1 ، ص 577 ( سمر ).




