عَالَمٌ (1) كَثِيرٌ ، فَلْتَكُنْ (2) سَفِينَتُكَ فِيهَا تَقْوَى اللهِ ، وَحَشْوُهَا (3) الْإِيمَانَ ، وَشِرَاعُهَا (4) التَّوَكُّلَ ، وَقَيِّمُهَا الْعَقْلَ ، وَدَلِيلُهَا الْعِلْمَ ، وَسُكَّانُهَا (5) الصَّبْرَ.
يَا هِشَامُ ، إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ دَلِيلاً ، وَدَلِيلُ الْعَقْلِ التَّفَكُّرُ ، وَدَلِيلُ التَّفَكُّرِ الصَّمْتُ ؛ وَلِكُلِّ شَيْءٍ مَطِيَّةً (6) ، وَمَطِيَّةُ الْعَقْلِ التَّوَاضُعُ ؛ وَكَفى بِكَ جَهْلاً أَنْ تَرْكَبَ مَا نُهِيتَ عَنْهُ.
يَا هِشَامُ ، مَا بَعَثَ اللهُ أَنْبِيَاءَهُ وَرُسُلَهُ إِلى عِبَادِهِ إِلاَّ لِيَعْقِلُوا (7) عَنِ اللهِ ، فَأَحْسَنُهُمُ اسْتِجَابَةً أَحْسَنُهُمْ مَعْرِفَةً ، وَأَعْلَمُهُمْ بِأَمْرِ اللهِ أَحْسَنُهُمْ (8) عَقْلاً ، وَأَكْمَلُهُمْ عَقْلاً أَرْفَعُهُمْ دَرَجَةً فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
يَا هِشَامُ ، إِنَّ لِلّهِ عَلَى النَّاسِ حُجَّتَيْنِ : حُجَّةً ظَاهِرَةً ، وَحُجَّةً بَاطِنَةً ، فَأَمَّا الظَّاهِرَةُ فَالرُّسُلُ وَالْأَنْبِيَاءُ وَالْأَئِمَّةُ ، وَأَمَّا الْبَاطِنَةُ فَالْعُقُولُ.
__________________
(1) في « بح » بكسر اللام. وفي « جم » بفتحها. قال المجلسي في مرآة العقول : « يمكن أن تُقرأ بفتح اللام وكسرها ».
(2) في « بف » : « فليكن ».
(3) « الحَشْوُ » : ما ملأتَ به كالقطن الفراشَ وغيرَه ، وفي لسان العرب : « حشا الوسادة والفراشَ وغيرَهما يحشوها حشواً : ملأها ، واسم ذلك الشيء الحَشْوُ ». والمراد هاهنا ما تملأ السفينة منها من المتاع وأنواع ما يتّجر به. راجع : لسان العرب ج 14 ، ص 180 ( حشا ) ؛ شرح المازندراني ، ج 1 ، ص 181 ؛ مرآة العقول ، ج 1 ، ص 55.
(4) شِراع السفينة : ما يرفع فوقها من ثوب لتدخل فيه الريح ، فتُجريها. النهاية ، ج 2 ، ص 461 ( شرع ).
(5) سُكّان السفينة هو ذَنَبُ السفينة ؛ لأنّها به تقوم وتُسكَّن وتعدّل وتمنع من الحركة والاضطراب. راجع : المغرب ، ص 230 ؛ لسان العرب ، ج 13 ، ص 211 ( سكن ).
(6) « المَطِيَّة » : الناقة التي يُركَب مَطاها ، أي ظهرها كما اختاره الصدر الشيرازي ، أو الدابّة التي تمطو في سيرها أي تجدّ وتسرع ، كما اختاره أيضاً المازندراني. راجع : شرح صدر المتألّهين ، ص 56 ؛ شرح المازندراني ، ج 1 ، ص 185 ؛ النهاية ، ج 4 ، ص 340 ؛ لسان العرب ، ج 15 ، ص 285 ( مطا ).
(7) فاعل « ليعقلوا » إمّا الأنبياء ، والمعنى : ليؤدّوا عن الله ما لزمهم ؛ كما اختاره الصدر الشيرازي. أو العباد ، والمعنى : ليكتسبوا العلوم الدينيّة وليعرفوا ما لا يعلمون عن الله بتعليم الرسل ومتابعتهم ؛ كما اختاره الفيض الكاشاني والمجلسي ، أو يحتمل الوجهين ، كما اختاره المازندراني. راجع : شرح صدر المتألّهين ، ص 56 ؛ شرح المازندراني ، ج 1 ، ص 187 ؛ الوافي ، ج 1 ، ص 98 ؛ مرآة العقول ، ج 1 ، ص 59.
(8) في « و » : « وأحسنهم ».




