وَإِنَّ المُؤْمِنَ فِيهِ ثَلَاثُ أَرْوَاحٍ: رُوحَيْنِ مَحْبُوسَتَيْنِ وَرُوحُ الإِيمَانِ، فَالرُّوحَانِ المَحْبُوسَتَانِ تُسَمَّى إِحْدَاهُمَا: المُسْتَضْعَفَةَ وَمِنْهَا يَكُونُ العطَاسُ وَالتَّثَاؤُبُ وَالأَحْلَامُ وَالدَّوْرُ وَالحَرَكَةُ فِي البَدَنِ، فَذَلِكَ الإِنْسَانُ إِذَا عَطَسَ قِيلَ لَهُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ وَالرُّوحُ الأُخْرَى: يُقَالُ لَهَا المَقْبُولَةُ فَيَكُونُ فِيهَا الدَّوْرُ وَالغَائِطُ وَالبَوْلُ وَهِيَ المُعَذَّبَةُ تُجْرِي البَوْلَ وَالعَذِرَةَ وَالغَائِطَ فَلِذَلِكَ صَارَ الوُضُوءُ وَالطَّهَارَةُ، فَيَخْرُجُ مِنْ أَسْفَلَ وَلَا يَخْرُجُ مِنْ أَعْلَى بِانْقِلَابِ الرُّوحِ.
وَأَمَّا رُوحُ الكَافِرِ المُمْتَحَنِ إِذَا خَرَجَتْ تَحْمِلُهَا المَلَائِكَةُ إِلَى عَيْنِ الرِّزَالِ عَلَى بَابِ جَهَنَّمَ فَتَغْمِسُ بِهَا فَتَنْسَى جَمِيعَ مَا مَرَّ عَلَيْهَا مِنْ أَحْوَالِ الدُّنْيَا وَنَعِيمِهَا، ثُمَّ تُخْرِجُهَا المَلَائِكَةُ إِلَى العَذَابِ وَتَحْبِسُهَا فِي الرَّحِمِ مَعَ رُوحَيْنِ مُعَذَّبَتَيْنِ تَمْتَصُّ الدَّمَ وَتَأْكُلُ العَذِرَةَ حَتَّى يَأْتِيَهَا الوَقْتُ الَّذِي يُخْرِجُهَا، فَإِذَا خَرَجَتْ وَنَظَرَتْ إِلَى المَلَائِكَةِ ضَاقَ ذَرْعُهَا وَظَنَّتْ أَنَّهَا تَخْرُجُ إِلَى العَذَابِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَأْخُذُ المَلَائِكَةُ مِيثَاقَهَا لِلَّهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾(1) فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقَعُ الطَّلْقُ عَلَى المَرْأَةِ ثُمَّ تَزْجُرُهُ المَلَائِكَةُ زَجْرًا فَيَنْقَلِبُ رَأْسُهُ وَأَسْفَلُهُ فَيَخْرُجُ فَزِعًا مَرْعُوبًا بَاكِيًا حَزِينًا مَدْهُوشًا وَرُبَّمَا انْكَبَّ عَلَى وَجْهِهِ وَجَبِينِهِ وَهُوَ مَذْعُورٌ فَلَمْ يَزَلْ بَاكِيًا حَتَّى تَغِيبَ عَنْهُ المَلَائِكَةُ، فَهَذِهِ عَلَامَةُ مَوْلِدِ المُؤْمِنِ وَالكَافِرِ.




