تَجَلَّى البَارِي بِهِمْ أَيْ أَنَّهُ كَانَ يَظْهَرُ لَهُمْ كَهُمْ، لِأَنَّ كُلَّ طَبِيعَةٍ مِنْ هَذِهِ الطَّبَائِعِ المَذْكُورَةِ صَوَّرَ مِنْهَا صُوَرًا وَخَلَقَ مِنْهَا خَلْقًا وَظَهَرَ لَهُمُ الرَّبُّ وَتَجَلَّى لَهُمْ وَدَعَاهُمْ إِلَى مَعْرِفَتِهِ وَالإِقْرَارِ بِرُبُوبِيَّتِهِ، فَأَقَرَّ مَنْ أَقَرَّ وَأَنْكَرَ مَنْ أَنْكَرَ لِقَوْلِ صَاحِبِ أَسْرَارِ الدِّينِ بِإِسْنَادِهِ عَنِ الصَّادِقِ عزَّ عِزُّه أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ نُورًا وَقَدَّ مِنْهُ قِدَدًا، وَصَوَّرَ مِنْهُ صُوَرًا، وَقَامُوا لِلَّهِ عَابِدِينَ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ نَارًا وَقَدَّ مِنْهَا قِدَدًا وَصَوَّرَ مِنْهَا صُوَرًا، وَأَمَرَ النُّورَانِيَّةَ أَلَّا تَخْتَلِطَ بِالنَّارِيَّةِ فَاخْتَلَطَتْ، ثُمَّ خَلَقَ رِيحًا وَقَدَّ مِنْهُ قِدَدًا وَصَوَّرَ مِنْهُ صُوَرًا، وَأَمَرَ النَّارِيَّةَ أَلَّا تَخْتَلِطَ بِالهَوَائِيَّةِ فَاخْتَلَطَتْ، ثُمَّ خَلَقَ مِنْهَا مَاءً وَقَدَّ مِنْهُ قِدَدًا وَصَوَّرَ مِنْهُ صُوَرًا وَقَامُوا لِلَّهِ عَابِدِينَ، فَأَمَرَ المَائِيَّةَ أَلَّا تَخْتَلِطَ بِالهَوَائِيَّةِ فَاخْتَلَطَتْ، ثُمَّ خَلَقَ طِينًا وَصَوَّرَ مِنْهُ صُورَةَ آدَمَ فَاخْتَلَطَتِ الطَّبَائِعُ المَذْكُورَةُ فِي الطِّينِ فَكَمُلَتْ صُورَةُ آدَمَ".
وَكَانَ البَارِي تَعَالَى كُلَّمَا خَلَقَ كَوْنًا مِنْ هَذِهِ الأَكْوَانِ وَقَدَّ مِنْهُ قِدَدًا وَصَوَّرَ مِنْهُ صُوَرًا يَتَجَلَّى لَهُمْ عَلَى صِفَاتِهِمْ، وَيَدْعُوهُمْ إِلَى رُبُوبِيَّتِهِ فَيُقِرُّ مَنْ يُقِرُّ وَيُنْكِرُ مَنْ يُنْكِرُ، فَصَارَ لِلْبَارِي سِتَّةُ تَجَلِّيَاتٍ عَلَى عَدَدِ الأَكْوَانِ السِّتَّةِ، فَكَانَ يَتَجَلَّى لِكُلِّ كَوْنٍ كَجِنْسِهِ، إِلَى أَنْ ظَهَرَتِ البَشَرِيَّةُ التُّرَابِيَّةُ فَظَهَرَ لَهُمُ البَارِي صُورَةً بَشَرِيَّةً نَاسُوتِيَّةً كَصُوَرِهِمْ.
وَكَذَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الحُسَيْنُ بْنُ حَمْدَانَ الخُصَيْبِيُّ نضَّر اللهُ وجهَه فِي رِسَالَتِهِ"الرُّسْتَبَاشِيَّةِ"فَقَالَ: وَلَمْ يَزَلِ البَارِي مُتَجَلِّيًا فِي السِّتَّةِ الأَكْوَانِ وَهُمُ: الكَوْنُ النُّورَانِيُّ وَالكَوْنُ الجَوْهَرِيُّ وَالكَوْنُ الهَوَائِيُّ وَالكَوْنُ المَائِيُّ وَالكَوْنُ وَالكَوْنُ النَّارِيُّ إِلَى أَنْ ظَهَرَ فِي البَشَرِيَّةِ التُّرَابِيَّةِ فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ البَارِيَ خَلَقَ مِنْ كُلِّ كَوْنٍ مِنْ هَذِهِ الأَكْوَانِ المَذْكُورَةِ خَلْقًا وَجَعَلَ لَهُمْ مِنَ العَقْلِ مَا يُفَرِّقُونَ الحَقَّ مِنَ البَاطِلِ وَتَجَلَّى البَارِي لَهُمْ كَصُوَرِهِمْ كَمَا كَانَ ظُهُورُهُ فِي الكَوْنِ البَشَرِيِّ التُّرَابِيِّ وَهُوَ أَمِيرُ النَّحْلِ العَلِيُّ العَظِيمُ.




