وَقَوْلِهِ: ﴿أيَّما الأَجَلَيْن قَضَيتُ﴾(1) فَعِنْدَ ذَلِكَ يَظْهَرُ لَهُ المَعْنَى بِاللُّطْفِ وَيَرَاهُ بِصُورَةِ الشَّيْخِ الكَبِيرِ كَمُوسَى أَوِ الطِّفْلِ الصَّغِيرِ كَعِيسَى أَوِ الشَّابِّ المُؤَنَّقِ المَفْتُولِ السِّبَالِ كَمُحَمَّدٍ، فَشَاهَدَ الصُّورَةَ الأَنْزَعِيَّةَ الَّتِي لَمْ تَزَلْ عَنْ كِيَانِهَا وَإِنْ ظَهَرَتْ لِعِيَانِهَا، فَإِذَا شَاهَدَتِ الرُّوحُ ذَلِكَ عَرَفَتِ الحِجَابَ الَّذِي مِنْ نُورِ ذَاتِ المَعْنَى وَعَرَفَتْ صُورَةَ البَابِ وَعِلْمَهُ.
وَإِنَّ أَهْلَ الكَدَرِ لَا يَرَوْنَ القَدِيمَ إِلَّا صُورَةً وَجِسْمًا وَكَلَامًا، وَهُمُ المَحْجُوبُونَ عَنْ بَارِيهِمْ مَا دَامُوا فِي الأَجْسَامِ الكَثِيفَةِ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ هَذَا الكِتَابِ: اعْلَمْ أَنَّ سَادَتَنَا المُتَقَادِمِينَ وَأَهْلَ البَيْتِ أَسَّسُوا بُنْيَانَهُمْ عَلَى مَعْرِفَةِ الصُّورَةِ المَرْئِيَّةِ وَلَمْ يَزَالُوا فِي تَدْقِيقٍ وَتَحْصِيلٍ وَتَحْقِيقٍ حَتَّى فَصَلُوا صُورَةَ الذَّاتِ وَنَزَّهُوهَا عَنِ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَجَمِيعِ الكَيْفِيَّاتِ وَالصُّوَرِ المَرْئِيَّاتِ.
فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ عليه السَّلام: "مَنْ عَبَدَ مَا لَا يُرَى فَقَدْ عَبَدَ مَجْهُولًا، وَمَنْ عَبَدَ بَائِنًا فَقَدْ عَبَدَ مَحْدُودًا، وَمَنْ قَالَ إِنَّهُ مُحْتَجِبٌ عَنْ خَلْقِهِ فَقَدْ عَنَى غَيْرَهُ، وَمَنْ قَالَ إِنَّهُ ظَاهِرٌ بِذَاتِهِ لَهُمْ يَرَوْنَهُ فَقَدْ عَيَّنَهُ وَحَدَّهُ، وَمَنْ قَالَ أَنَّهُ لَا يَرَاهُ فَقَدْ أَحَالَ عَلَى عَدَمٍ وَلَمْ يَعْبُدْ شَيْئًا، وَمَنْ وَصَفَهُ بِمَا وَقَعَ عَلَيْهِ فَقَدْ وَصَفَ نَفْسَهُ، وَمَنْ قَالَ إِنَّهُ هُوَ بِذَاتِهِ عَلَى أَنَّهُ بَدَنٌ فَقَدْ أَشْرَكَ، وَمَنْ عَرَفَهُ مِنْ جِهَةِ الإِقْرَارِ وَآمَنَ بِمَا يُشَاهِدُهُ مِنَ المَعَاجِزِ وَنَفَى مَا رَأَى مِنَ التَّخَاطِيطِ وَالآلَاتِ وَأَثْبَتَ مَا عَلِمَ مِنَ القُدَرِ البَاهِرَاتِ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ أَمِيرِ المُؤْمِنِين".




