المَسْأَلَةُ الثَّالثِةُ: عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾(1)؟.
الْجَوَابُ: "عَمَّ" مِائَةٌ وَعَشَرَةٌ بِوُقُوعِ الْأَحْرُفِ، وَهِيَ الصُّورَةُ الْمَرْئِيَّةُ الَّتِي تَاهَتْ فِي إِدْرَكِهَا سَائِرُ الْعَوَالِمِ، ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ أَيْ: كَلَّا سَيَعْلَمُونَ مِنْ ظَاهِرِ الصُّورَةِ، ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ مِنْ بَاطِنِهَا، فَلَا سَبِيلَ لِأَحَدٍ مِنْ جُمْلَةِ الْعَوَالِمِ أَنْ يُدْرِكُوا شَيْئَاً مِنْ بَاطِنِ الْقُدْرَةِ، وَلَا يُشَاهِدُوا إِلَّا ظَاهِرَ الصُّورَةِ، وَأَمَّا بَاطِنُهَافَمُغَيَّبٌ عَنْهُمْ إِدْرَاكُهُ، كَمَا قَالَ مَوْلَانَا جَعْفَرُ الصَّادِقُ عَزَّ عِزُّهُ: "نَحْنُ ظَاهِرُ اللَّهِ وَلَسْنَا غيْرَ بَاطِنِهِ".
المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: عَنْ قَوْلِ مَوْلَانَا جَعْفَرٍ الصَّادِقِ عَزَّ عِزُّهُ إِنَّهُ قَالَ: "لَا يَخْلُو كُلُّ عَصْرٍ وَزَمَانٍ وَحِينٍ وَأَوَانٍ مِنْ مَعْنًى مَوْجُودٍ، وَظِلٍّ مَمْدُودٍ، وَبَابٍ مَقْصُودٍ"، وَهَٰذَا عَصْرٌ لَمْ نَجِدْ فِيهِ شَيْئَاً مِمَّا قَالَ الصَّادِقُ عَزَّ عِزُّهُ؟
الْجَوَابُ فِيهِ: مِمَّا أَوْضَحَهُ ابْنُ شُعْبَةَ قدسه الله فِي"كِتَابِ حُجَّةِ الْعَارِف"ِ: إِنَّمَا أَرَادَ الصَّادِقُ عَزَّ عِزُّهُ بِهَٰذَا الْقَوْلِ أَنَّ الْخَلْقَ مَا دَامُوا فِي هَٰذِهِ الْأَجْسَامِ الْكَثِيفَةِ فَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ هَٰذِهِ الْأَسْمَاءِ، وَهِيَ مَعْنًى وَظِلٌّ وَبَابٌ، لِحَاجَتِهِمْ إِلَى ذَٰلِكَ، لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ كَلَامٌ إِلَّا مِنْ صُورَةٍ، وَلَٰكِنَّ مَعْرِفَتَهُ بِالْقُدْرَةِ، قَدْ عَرَّفَكَ الظُّهُورَ وَالْغَيْبَةَ، كَمَا أَنَّ الظُّهُورَ لَيْسَ بِحَرَكَةٍ وَانْتِقَالٍ، وَلَٰكِنْ فِي دَلِيلِ الْعَقْلِ أَنَّهُ كَمَا حَجَبَ أَبْصَارَنَا مِنْ سَائِرِ الْجِهَاتِ وَأَرَانَا صُورَةً آكِلَةً شَارِبَةً بَالِيَةً تَدْخُلُ عَلَيْهَا الْأَعْرَاضُ وَهُوَ بِخِلَافِ ذَٰلِكَ، فَكَذَٰلِكَ أَيْضَاً يَجُوزُ أَنْ يَحْجُبَ أَبْصَارَنَا عَنْهُ فَلَا يُرِيَنَا ذَٰلِكَ وَهُوَ مَوْجُودٌ بِالْحَقِيقَةِ بِغَيْرِ إِدْرَاكٍ وَلَا إِحَاطَةٍ، قَائِمٌ بِذَاتِهِ.




