فَإِذَا قَالَ: "لَمْ يَلِدْ" هُنَا، وَقَالَ فِي سُورَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ: "لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا" لِأَنَّ الْوَلَدَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَلَىٰ وَجْهَيْنِ:
وَلَدُكَ الطَّبِيعِيُّ الَّذِي تَلِدُهُ، أَوْ أَنْ تَتَّخِذَهُ وَلَدًا، كَمَا فَعَلَ عَزِيزُ مِصْرَ، فَفِي الْمَقَامِ الْأَوَّلِ نَفَىٰ الْوَالِدِيَّةَ، وَفِي الْمَقَامِ الثَّانِي نَفَىٰ الْوَلَدِيَّةَ لِمَاذَا؟
لِأَنَّ أَحَدِيَّةَ الذَّاتِ تَعْنِي أَنَّ ذَاتَهُ لَا تَقْبَلُ الْعَدَدَ، أَيْ أَنَّهُ وَاجِبُ الْوُجُودِ لِذَاتِهِ، وَالضِّدِّيَّةُ هِيَ نَفْيُ الْأَشْكَالِ وَالْمُغَايَرَةِ، لِأَنَّ "الصَّمَدَ" يَعْنِي الْمُغَايِرَ لِلْأَشْكَالِ وَالْأَضْدَادِ، فَالْأَحَدِيَّةُ وَالصَّمَدِيَّةُ يَمْنَعَانِ وُجُوبَ الْوَلَدِيَّةِ، لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَاجِبُ الْوُجُودِ لِذَاتِهِ، أَيْ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَىٰ إِمْدَادٍ خَارِجِيٍّ، أَمَّا غَيْرُهُ فَمُمْكِنُ الْوُجُودِ، أَيْ يَحْتَاجُ إِلَىٰ إِمْدَادٍ خَارِجِيٍّ، وَبِمَا أَنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ مِنْ عَدَمٍ، وَنِهَايَتُهُ إِلَىٰ الْعَدَمِ، فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ خَالِقٍ لِهَذَا الْعَدَمِ،
﴿وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدُۢ﴾ تَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِشَرَفِهِ، وَتَقْدِيمُ الْخَبَرِ لِلِاهْتِمَامِ بِنَفْيِ الْكُفَاءَةِ لِمُرَاعَاةِ رُؤُوسِ الْآيَاتِ، أَيْ لَا نِدَّ وَلَا شَرِيكَ وَلَا ضِدَّ وَلَا مُكَاشِرَ وَلَا مُعَانِدَ، لِذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَزّ عِزّهُ: «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ ثُلُثَيِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ؟ قَالَ: لَا تَتَعَجَّبُوا إِنَّهَا سُورَةُ الْإِخْلَاصِ، فَإِنَّ سُورَةَ الْإِخْلَاصِ هِيَ ثُلُثَا الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَهِيَ "اللَّهُ الْوَاحِدُ الصَّمَدُ"»،




