فَعِنْدَ قِيَامِ الرُّوحِ بِالْقُوَّةِ لَا بِالْفِعْلِ بِالْجَسَدِ، وَاقْتِرَانِهَا بِهِ وَانْشِغَالِهَا بِشَهَوَاتِهِ حُجِبَتْ عَنْ أَصْلِهَا وَمَا عُهِدَ إِلَيْهَا، وَصَارَتْ تَرَىٰ الصِّفَاتَ مِنْ حَيْثُ صُورَةِ النَّفْسِ لَا مِنْ حَيْثُ الْمَاهِيَّةُ، وَتَشْهَدُ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ وَالْغَيْبَةَ وَالْأُفُولَ، وَهِيَ فِي حَقِيقَتِهَا مُجَرَّدَةٌ وَرُوحَانِيَّةُ الْبَقَاءِ مُنْذُ تَكْوِينِهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَىٰ: ﴿إِن كُلُّ نَفۡسٖ لَّمَّا عَلَيۡهَا حَافِظٞ﴾(1) وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَىٰ قِدَمِ النَّفْسِ بِاعْتِبَارِ بَاطِنِ ذَاتِهَا عَقْلًا كُلِّيًّا، وَقِدَمُهَا مِنْ قِدَمِ النُّورِ الْمُشْرِقِ مِنْ نُورِ الِاسْمِ الْأَعْظَمِ الْمُخْتَرَعِ مِنْ نُورِ الذَّاتِ.
وَإِدْرَاكُ صُورَتِهَا الْحَقِيقِيَّةِ مُرْتَبِطٌ بِأَفْعَالِ هَذِهِ الصُّورَةِ، فَالْحِكْمَةُ وَالتُّقَىٰ وَالزُّهْدُ وَالصِّدْقُ وَالصَّبْرُ وَالتَّسَامُحُ وَالنُّصْحُ وَالْفِرَاسَةُ وَالْمُكَاشَفَةُ وَالْمُشَاهَدَةُ هَذِهِ الصِّفَاتُ فَعَلَيْهِ الصُّورَةُ الثَّابِتَةُ فِي الْعِبَادَةِ، وَيَصِلُ إِلَىٰ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ مَنِ اسْتَشْرَقَ نَفْسَهُ بِالْمَعَارِفِ وَالْأَنْوَارِ وَالْحِكَمِ الرَّبَّانِيَّةِ، وَأَقَرَّ بِالتَّجَلِّي وَالْوُجُودِ، وَأَثْبَتَ الْمَعَاجِزَ لِلذَّاتِ الْأَزَلِيَّةِ، وَعَرَفَ الصِّفَاتِ وَالْأَسْمَاءَ وَمَوَاقِعَ الصِّفَةِ، وَقَامَ بِالتَّجْرِيدِ وَالتَّنْزِيهِ بَعْدَ الْوَصْفِ وَالتَّعْدِيدِ، وَيَكُونُ صَاحِبُ هَذِهِ النَّفْسِ لَهُ جَوْهَرٌ شَفَّافٌ مُسْتَنِيرٌ أَرَقُّ مِنْ لَطَائِفِ الْهَوَاءِ، وَبِهَذَا يُدْرِكُ صُورَتَهُ بِنَفْسِ صُورَتِهِ الْحَقِيقِيَّةِ.




