وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ أَغْصَانُهَا الزَّيْتُونَةُ وَانْبِثَاقُهَا وَفَرْعُهَا الثَّابِتُ الْمُسْتَأْثِرُ بِهِ جَمِيعُ النَّحْلِ، وَهِيَ الصُّورَةُ الْهِلَالِيَّةُ مِنِ ابْتِدَاءِ الْمَدَارِ إِلَىٰ نِهَايَةِ الْجِدَارِ، وَلِذَلِكَ ذُكِرَتْ فِي ثَلَاثِينَ مَوْضِعًا، إِشَارَةٌ لِأَيَّامِ الشَّهْرِ الْهِلَالِيِّ وَسَيْرِ الْقَافِ بِالْمَنَازِلِ الْهِلَالِ وَالْبُرُوجِ الصَّمَدَانِيَّةِ.
وَالْكَلِمَةُ الْخَبِيثَةُ نَظْرَةُ الضِّدِّ الرُّوحَانِيَّةِ الْمُعَاكِسَةِ عَيْنِ الْعَدَمِ، الَّتِي حَوَّلَتْ نَظَرَ الْمُشَاهِدِ عَنِ الصُّورَةِ، وَحَالَتْ دُونَ اتِّحَادِ النَّاظِرِ بِالْمَنْظُورِ، وَدُونَ اسْتِمْدَادِ الْوَاجِدِ مِنَ الْوُجُودِ.
فَاللَّهُ تَعَالَىٰ تَكَلَّمَ فِي الْأَوَّلِ بِكَلِمَةٍ فَصَارَتْ نُورًا، ثُمَّ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ فَصَارَتْ رُوحًا، وَأَدْخَلَهَا ذَلِكَ النُّورُ وَجَعَلَهَا حِجَابًا، فَهِيَ كَلِمَتُهُ وَنُورُهُ وَرُوحُهُ، وَسَرَيَانُهَا فِي الْعَالَمِ سَرَيَانُ النُّقْطَةِ فِي الْحُرُوفِ وَالْأَجْسَامِ، وَسَرَيَانُ الْوَاحِدِ فِي الْأَعْدَادِ، وَسَرَيَانُ الْأَلِفِ فِي الْكَلَامِ، وَسَرَيَانُ الِاسْمِ الْمُقَدَّسِ فِي الْأَسْمَاءِ، فَهِيَ مَبْدَأُ الْكُلِّ وَهَوِيَّةُ الْوُجُودِ، فَالْكَلِمَةُ هِيَ اللَّهُ، وَاللِّسَانُ الْمُتَحَدِّثُ بِهَا هُوَ الْمَسِيحُ، وَهِيَ سَرَيَانُ فَيْضِ الْقَافِ عَلَىٰ الْمَنَازِلِ وَالْبُرُوجِ، كَجَرَيَانِ الصِّفْرِ بِالْأَعْدَادِ وَالنُّقْطَةِ بِالْكَلَامِ، لِقَوْلِ الصَّادِقِ عَزّ عِزّهُ: «إِنَّ اللَّهَ ظَهَرَ بِكَلَامِهِ لَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ».




