مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مِنْ زَوَايَا الْأَسْفَارِ أَقْوَالٌ وَأَخْبَارٌ - صَالِحُ أَحْمَدٌ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 91 من 183

وَقَدْ كَانَ بَعْدَ الْحَادِثِ سَلِيمَ التَّفْكِيرِ يُدْرِكُ الْأَشْيَاءَ، وَلَكِنَّهُ إِذَا رَأَىٰ أَبَوَيْهِ لَمْ يَعْرِفْهُمَا، وَعِنْدَمَا أَخَذُوهُ إِلَىٰ بَيْتِهِ وَأَرَوْهُ مَا قَدْ صَنَعَهُ بِيَدِهِ مِنَ الْأَعْمَالِ الْيَدَوِيَّةِ الْمُعَلَّقَةِ عَلَىٰ الْجُدْرَانِ، كَانَ يَعْجَبُ وَيَقُولُ إِنَّهُ يَرَاهَا لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، لَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ الضَّرْبَةَ الَّتِي أَصَابَتْ دِمَاغَهُ قَدْ أَوْقَفَتْ بَعْضَ أَلْيَافِ الْخَلَايَا الَّتِي تَرْبِطُ بَيْنَ فِكْرِهِ وَحَافِظَتِهِ، وَكَأَنَّ عَطَبًا أَصَابَ «الْفَاصِمَ» الْكَهْرَبَائِيَّ فِي حَافِظَتِهِ فَغَرِقَتْ فِي ظَلَامٍ تَامٍّ وَتَلَاشَتْ ذِكْرَيَاتُهُ كُلُّهَا، وَلَعَلَّ هَذَا «الْفَاصِمَ» الَّذِي أَصَابَهُ الْعَطَبُ لَا يَزِيدُ حَجْمُهُ عَنْ رَأْسِ الْإِبْرَةِ، وَلَكِنْ لَاحِظْ مَدَىٰ تَأْثِيرِهِ عَلَىٰ حَيَاتِهِ، وَمِنْ هُنَا يَتَّضِحُ مِقْدَارُ تَعْقِيدِ جِهَازِ الدِّمَاغِ وَأَهَمِّيَّتُهُ، أَعْجَبُ أَقْسَامِ الدِّمَاغِ: «الْمُخُّ» هُوَ مَرْكَزُ الذَّكَاءِ وَالْإِرَادَةِ وَالْإِحْسَاسِ وَالْحَافِظَةِ، وَلِذَلِكَ فَهُوَ أَشَدُّ أَجْزَاءِ الدِّمَاغِ حَسَاسِيَّةً، وَإِلَيْهِ يُعْزَىٰ كَثِيرٌ مِنَ الِانْفِعَالَاتِ كَالْغَضَبِ وَالْخَوْفِ وَغَيْرِهَا، وَلَوْ أُزِيلَ مُخُّ حَيَوَانٍ مَا دُونَ الْأَضْرَارِ بِأَعْصَابِهِ، فَإِنَّ الْحَيَوَانَ يَظَلُّ حَيًّا، وَلَكِنَّهُ يَفْقِدُ كُلَّ قُدْرَةٍ عَلَىٰ الْفَهْمِ وَالْإِدْرَاكِ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمْ إِذَا رَفَعُوا مُخَّ أَحَدِ الطُّيُورِ فَبَقِيَ حَيًّا، وَلَكِنَّهُ لَمْ يُمَيِّزِ الْحَبَّ الَّذِي نُثِرَ أَمَامَهُ، الْحَافِظَةُ الْعَجِيبَةُ: مِنْ أَقْسَامِ الدِّمَاغِ الْعَجِيبَةِ «الْحَافِظَةُ» هَلْ فَكَّرْتُمْ كَيْفَ يَكُونُ حَالُنَا لَوْ أَنَّنَا فَقَدْنَا حَافِظَتَنَا سَاعَةً وَاحِدَةً؟ إِنَّ مَرْكَزَ الْحَافِظَةِ الَّذِي يُشَكِّلُ جُزْءًا صَغِيرًا مِنَ الدِّمَاغِ يَحْتَفِظُ بِجَمِيعِ الذِّكْرَيَاتِ وَدَقَائِقِهَا طَوَالَ حَيَاةِ الْإِنْسَانِ، فَكُلُّ إِنْسَانٍ نَتَعَرَّفُ عَلَيْهِ تَحْفَظُ حَافِظَتُنَا صُورَةً لَهُ بِجَمِيعِ خُصُوصِيَّاتِهِ «كَشَكْلِهِ وَلَوْنِهِ وَمَلَابِسِهِ وَأَخْلَاقِهِ وَنَفْسِيَّتِهِ وَكُلِّ مَا نُدْرِكُهُ مِنْهُ» فَتُعِدُّ لَهُ مَلَفًّا خَاصًّا بِهِ،

الصفحة 91 من 183