جَاءَ فِي حَاوِي الْأَسْرَارِ لِلْجِلِّيِّ عَزَّ عِزُّهُ نَقْلًا عَنْ كِتَابِ الْمَرَاتِبِ وَالدُّرَجِ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ، ﴿لَيْسَ الْبِرُّ أَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىٰ وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾(1)، أَيْ يَعْنِي بِقَوْلِهِ: لَيْسَ الْبِرُّ أَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا: يَعْنِي عِلْمَ الظَّاهِرِ وَأَهْلَهُ الَّذِينَ يَنْسِبُونَ إِلَىٰ اللَّهِ مَا أَظْهَرَهُ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، وَهُمْ لَا يُقِرُّونَ بِهِ وَلَا يُثْبِتُونَهُ وَلَا يُرِيدُونَهُ، لِأَنَّ الشَّخْصَ الَّذِي ظَهَرَ بَيْنَهُمْ رَأَوْهُ مَخْلُوقًا مَرْبُوبًا، فَأَمَرَ اللَّهُ بِالِاتِّقَاءِ مِنْهُمْ، ثُمَّ قَالَ: وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا يَعْنِي الْأَبْوَابَ وَهُمُ الْأَوْلِيَاءُ، وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُدْخِلُونَ النَّاسَ فِي مَعْرِفَةِ اللَّهِ عَلَىٰ الْحَقِيقَةِ مِنْ جِهَةِ عِلْمِ الْبَاطِنِ الْحَقِّ، وَيُقِيمُونَ بِذَلِكَ الْحُجَّةَ الْبَالِغَةَ، لِأَنَّ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ هُوَ هَذَا الشَّخْصُ الظَّاهِرُ فِيمَا بَيْنَنَا يَدْعُونَا إِلَىٰ طَاعَتِهِ وَالْإِقْرَارِ بِهِ.
إِيرَادُ سَيِّدِنَا الْجِلِّيِّ عَزَّ عِزُّهُ فِي رِسَالَةِ الْفَتْقِ وَالرَّتْقِ مَا جَاءَ فِي كِتَابِ الْأُسُسِ فَقِيلَ: يَا سَيِّدَنَا كَيْفَ ظَهَرَ الْمَعْنَىٰ فِي هَذِهِ الْقُبَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ بِأَنْزَعَ بَطِينٍ، دُونَ سَائِرِ الْقِبَابِ لِلْخَاصِّ وَالْعَامِّ؟ فَقَالَ: أَمَّا الْخَاصُّ فَرَآهُ بِمَا لَمْ يَزَلْ يُشَاهِدُهُ، وَأَهْلُ الْمِزَاجِ رَأَوْهُ بِمَا كَانُوا يَعْرِفُوهُ يَوْمَ الْأَظِلَّةِ، وَأُلْهِمُوا التَّذْكِيرَ لَهُ فَاسْتَجَابُوا إِلَيْهِ وَأَسْرَعُوا إِلَىٰ طَاعَتِهِ وَمَعْرِفَتِهِ، وَأَهْلُ الْكَدَرِ الظُّلْمِيِّ لَمَّا رَأَوْهُ بِأَنْزَعَ بَطِينٍ أَنْكَرُوهُ وَنَفَرُوا عَنْهُ وَكَفَرُوا بِهِ بَعْدَ أَنْ عَرَفُوهُ وَذَكَرُوهُ يَوْمَ الْأَظِلَّةِ وَالنِّدَاءِ الْأَوَّلِ، فَكَانَ ذَلِكَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ، وَالشَّاهِدُ قَوْلُهُ تَعَالَىٰ: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَىٰ الْكَافِرِينَ﴾(2)، فَكَانَ ظُهُورُهُ فِي هَذِهِ الْقُبَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ بِأَنْزَعَ بَطِينٍ كَشْفًا لِلْخَاصِّ وَالْعَامِّ، لِأَنَّ قُبَّتَكُمْ هَذِهِ آخِرُ الْقِبَابِ وَشَرِيعَتُكُمْ هَذِهِ آخِرُ الشَّرَائِعِ.




