إِيرَادُهُ قَوْلُ ثَاوُفِرَسْطِيسَ «مِنْ تَلَامِذَةِ أَرِسْطُو»: "الْعَقْلُ نَحْوَانِ: إِحْدَاهُمَا مَطْبُوعٌ وَالْآخَرُ مَسْمُوعٌ، فَالْمَطْبُوعُ مِنْهُ كَالْأَرْضِ وَالْمَسْمُوعُ كَالْبَذْرِ وَالْمَاءِ، فَلَا يَخْلُصُ لِلْعَقْلِ الْمَطْبُوعِ عَمَلٌ دُونَ أَنْ يَرِدَ عَلَيْهِ الْعَقْلُ الْمَسْمُوعُ فَيُنَبِّهَهُ مِنْ نَوْمِهِ وَيُطْلِقَهُ مِنْ وَثَاقِهِ وَيُقَلْقِلَهُ مِنْ مَكَانِهِ كَمَا يَسْتَخْرِجُ الْبَذْرُ الْمَاءَ مِنْ قَعْرِ الْأَرْضِ".
أَيْرَادُهُ مِنْ حِكَمِ بُوذَا الْهِنْدِيِّ: "إِنَّ الْاِعْتِدَالَ هُوَ سِرُّ السَّعَادَةِ، وَاتَّخَذَ طَرِيقًا وَسَطًا، فَخَيْرُ الْحَيَاةِ أَنْ يَكُونَ الْمَرْءُ كَالنَّحْلَةِ تَمْتَصُّ رَحِيقَ الزَّهْرَةِ دُونَ أَنْ تُصِيبَهَا أَوْ تُصِيبَ لَوْنَهَا أَوْ عَبِيرَهَا بِأَيِّ أَذًىٰ"، فِي كَلَامِهِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ يَعْقُوبَ الْكِنْدِيِّ يَقُولُ: "أَخَذَ عَلَيْهِ خُصَمَاؤهُ:ُ اعْتِرَافَهُ بِوَحْدَةِ وَاجِبِ الْوُجُودِ، وَبَسَاطَةِ ذَاتِهِ الْعَلِيَّةِ وَأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ «أَرِسْطِيُّ الْمَذْهَبِ مَحْضًا»"، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْقَائِلِينَ بِهِ لَا يَعْتَرِفُونَ لِوَاجِبِ الْوُجُودِ بِصِفَةٍ مُطْلَقَةٍ، «وَالصِّفَاتُ الْمُطْلَقَةُ هِيَ الْمُمَيَّزَةُ عَنِ الذَّاتِ»، وَكَانَ أَرِسْطُو حَقِيقَةً يُنْكِرُ الصِّفَاتِ وَيَقُولُ بِأَنَّهَا وَالذَّاتَ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَهَذَا مَعْنَىٰ قَوْلِهِمْ: بِبَسَاطَةِ وَاجِبِ الْوُجُودِ، وَفِي كَلَامِهِ عَنِ الْفَارَابِيِّ يُشِيرُ إِلَىٰ الْتِحَاقِهِ بِالْأَمِيرِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ وَمَدْحِهِ لَهُ، وَلَمَّا تُوُفِّيَّ فِي دِمَشْقَ تَزَيَّا سَيْفُ الدَّوْلَةِ بِزِيٍّ صُوفِيٍّ وَلَحِقَهُ إِلَىٰ دِمَشْقَ وَصَلَّىٰ عَلَيْهِ وَهُوَ الْقَائِلُ: "إِنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ: إِمَّا ضَرُورِيٌّ «أَيْ وَاجِبٌ» وَإِمَّا مُمْكِنٌ، وَلَيْسَ هُنَاكَ ثَالِثٌ لِهَذَيْنِ الْاِثْنَيْنِ، وَحَيْثُ أَنَّ كُلَّ مُمْكِنٍ يَسْتَدْعِي فَرْضَ سَبَبٍ لِوُجُودِهِ، وَأَنَّ سِلْسِلَةَ الْأَسْبَابِ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ بِغَيْرِ نِهَايَةٍ، فَلَا بُدَّ مِنَ الْاِعْتِقَادِ بِوُجُودِ كَائِنٍ مَوْجُودٍ بِطَبِيعَتِهِ بِغَيْرِ سَبَبٍ وَمَالِكٍ لِأَعْلَىٰ دَرَجَاتِ الْكَمَالِ" إِلٰهِيَّاتُ الْفَارَابِيِّ مُسْتَمَدَّةٌ مِنْ "أَرِسْطُوطَالِيسَ" وَمَكْتُوبَةٌ عَلَىٰ طَرِيقَتِهِ الْمَنْطِقِيَّةِ، كَقَوْلِهِ: "وَالْمَوْجُودُ الْأَوَّلُ هُوَ السَّبَبُ الْأَوَّلُ لِوُجُودِ سَائِرِ الْمَوْجُودَاتِ كُلِّهَا، وَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ جَمِيعِ أَنْحَاءِ النَّقْصِ، فَوُجُودُهُ: أَفْضَلُ الْوُجُودِ وَأَقْدَمُ الْوُجُودِ".




