مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مِنْ زَوَايَا الْأَسْفَارِ أَقْوَالٌ وَأَخْبَارٌ - صَالِحُ أَحْمَدٌ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 42 من 183

قَوْلُ الْمَكْزُونِ قَدَّسَهُ اللَّهُ:

تَجَلَّىٰ لِي فَجَلَّانِي لِعَيْنِي

كَمَا لِي صُورَتِي الْمِرْآةُ تَجْلُو

وَيَقُولُ الْعَلَّامَةُ قَدَّسَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِهِ لِهَذَا الْبَيْتِ: إِذَا أَشْرَقَ النُّورُ الْإِلٰهِيُّ عَلَىٰ قَلْبِ مُخْتَارٍ اسْتَنَارَ وَأَضَاءَ بِتِلْكَ الْفُيُوضَاتِ اللَّدُنِّيَّةِ، فَأَدْرَكَ نَفْسَهُ وَظَهَرَتْ لَهُ خَبَايَا سَرِيرَتِهِ، وَعَلِمَ ضَعْفَ قَابِلِيَّتِهِ أَوْ قُوَّةَ اسْتِعْدَادِهِ، فَكَأَنَّ الْحَقَّ جَلَّ جَلَالُهُ مِرْآةٌ يَتَرَاءَىٰ بِهَا فَيَرَىٰ كَمَا يَرَىٰ النَّاظِرُ فِي الْمِرْآةِ مَحَاسِنَ خِلْقَتِهِ وَعُيُوبَهَا وَيَعْرِفُهَا بِهَا، فَكَذَلِكَ الْعَبْدُ يَعْرِفُ نَفْسَهُ بِرَبِّهِ، وَكَذَلِكَ هُوَ الْفَيْضُ الرَّبَّانِيُّ وَالتَّجَلِّي الرَّحْمَانِيُّ يَعْرِفُ بِهِ الْإِنْسَانُ أَنَّ نَفْسَهُ وَهَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْحَضْرَةِ وَالْمُثُولِ بِهَا، أَمْ مِنَ الْمُتَعَبِّدِينَ؟ يَسْتَبِينُ ذَلِكَ لِصَفَاءِ الْمِرْآةِ وَإِظْهَارِ الشَّيْءِ عَلَىٰ مَا هُوَ عَلَيْهِ.

يُورِدُ الشَّيْخُ مَحْمُودٌ سُلَيْمَانُ فِي شَرْحِهِ لِكِتَابِ التَّنْبِيهِ حِكَايَةَ الْكَهْفِ عِنْدَ أَفْلَاطُونَ الَّتِي تُصَوِّرُ حَالَةَ النَّفْسِ الْإِنْسَانِيَّةِ الْبَاحِثَةِ عَنِ الْمَعْرِفَةِ، أَيْ أَنَّهَا كَمَثَلِ السَّجِينِ الْمَوْثُوقِ بِالسَّلَاسِلِ وَالْأَغْلَالِ، وَقَدْ وُضِعَ فِي كَهْفٍ وَجُعِلَ وَجْهُهُ إِلَىٰ دَاخِلِ الْكَهْفِ "وَهُوَ هَذِهِ الدُّنْيَا" وَمِنْ خَلْفِهِ نَارٌ عَظِيمَةٌ، وَهُوَ لَا يَرَىٰ إِلَّا أَشْبَاحَ أُنَاسٍ حَقِيقِيِّينَ يَمُرُّونَ مِنْ خَلْفِهِ أَمَامَ النَّارِ، إِنَّهُ لَا يَرَىٰ غَيْرَ ظِلَالِ الْأَشْيَاءِ الْحَقِيقِيَّةِ وَيُشِيرُ إِلَىٰ أَنَّ «الْكَهْفَ» هُوَ هَذَا الْعَالَمُ الْمَحْسُوسُ، وَأَنَّ «النَّارَ» هِيَ النُّورُ الَّذِي بِهِ وُجِدَ الْمَعْقُولُ وَالْمَحْسُوسُ، وَأَمَّا «الْأَشْبَاحُ» فَهِيَ الْأَشْيَاءُ الْحِسِّيَّةُ «ظِلَالُ الْأَشْيَاءِ الْحَقِيقِيَّةِ» الَّتِي هِيَ الْمُثُلُ «الْمُؤْمِنُونَ ظِلَالُ الْأَنْوَارِ الْمُجَرَّدَةِ»، وَفَكُّ الْأَغْلَالِ عَنْ أَحَدِ السُّجَنَاءِ هُوَ: نَقْلُهُ مِنْ ظِلَالِ الْأَشْبَاحِ إِلَىٰ الْأَشْبَاحِ نَفْسِهَا وَخُرُوجُهُ مِنْ أَسْفَلِ الْكَهْفِ إِلَىٰ نُورِ الشَّمْسِ إِلَىٰ قَوْلِهِ، وَبِذَلِكَ ارْتَفَعَتْ آلَةُ السَّجِينِ مِنْ ظَلَامِ الْكَهْفِ إِلَىٰ نُورِ الشَّمْسِ، إِلَخْ.

الصفحة 42 من 183