وَالْمَشِيئَةُ نَوْعَانِ: مَشِيئَةُ حَتْمٍ وَتَكْوِينٍ: كَمَشِيئَةِ اللَّهِ خَلْقَ عِبَادِهِ عَلَىٰ مَا هُمْ فِيهِ وَعَلَيْهِ مِنْ «طُولٍ وَقِصَرٍ وَسُودٍ وَبَيَاضٍ وَفَصَاحَةٍ وَعُجْمَةٍ» وَمَا إِلَىٰ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتٍ تَكْوِينِيَّةٍ خَارِجَةٍ عَنْ حُدُودِ إِمْكَانِ الْعَبْدِ وَسَيْطَرَتِهِ، وَمَشِيئَةُ عِلْمٍ وَتَخْلِيَةٍ: بَيْنَ الْعَبْدِ وَفِعْلِهِ بَعْدَ تَعْرِيفِهِ مَا لَهُ وَمَا عَلَيْهِ، وَإِعْطَائِهِ قُوَّةَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ إِثْبَاتًا لِلْعَدْلِ، وَإِتْمَامًا لِلْفَضْلِ، وَمِنْ بَابِ النَّوْعِ الْأَخِيرِ لِلْمَشِيئَةِ: تَخْلِيَةُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ بَيْنَ الْعُصَاةِ وَبَيْنَ مَعَاصِيهِمْ، فَإِنْ شَاءَ أَنْ يَحُولَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهَا وَيَمْنَعَهُمْ مِنْهَا، كَانَ ذَلِكَ فَضْلًا مِنْهُ عَلَيْهِمْ وَمِنَّةً، وَإِنْ لَمْ يَمْنَعْهُمْ مِنْهَا فَلَيْسَ هُوَ الَّذِي أَرَادَهَا لَهُمْ وَأَجْبَرَهُمْ عَلَيْهَا، وَيُورِدُ شَرْحَ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ لِلْبَيْضَاوِيِّ ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾: إِنَّ مَا أَصَابَكَ مِنَ الصِّحَّةِ وَالسَّلَامَةِ وَسِعَةِ الرِّزْقِ وَجَمِيعِ نِعَمِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا فَمِنَ لِلَّهِ أَيْ تَفَضُّلًا مِنْهُ تَعَالَىٰ، لِأَنَّ كُلَّ مَا يَفْعَلُهُ الْعَبْدُ مِنَ الطَّاعَةِ لَا يُكَافِئُ نِعْمَةَ الْوُجُودِ، وَمَا أَصَابَكَ مِنَ الْمِحَنِ وَالشَّدَائِدِ وَالْآلَامِ وَالْمَصَائِبِ فَمِنْ نَفْسِكَ، أَيْ بِسَبَبِ مَا تَكْتَسِبُهُ مِنَ الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي.




